في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية، وفي إطار رؤية 2030 الطموحة التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، برز قطاع السياحة البيئية كأحد الركائز الأساسية للتنمية المستدامة. وقد لفت انتباهي خلال أعمالي في شركة "جياشي" للضرائب والمحاسبة على مدى اثني عشر عامًا، تزايد استفسارات المستثمرين الأجانب حول فرص الاستثمار في قطاع التخييم البراري في المملكة، خاصة بعد الإعلان عن مشاريع ضخمة مثل "نيوم" و"البحر الأحمر" و"القدية" التي تضع السياحة البيئية في صميم استراتيجياتها التنموية.
غير أن السؤال الذي يتردد كثيرًا في أروقة المكاتب الاستشارية واجتماعات المستثمرين ليس عن الفرص المتاحة، بل عن الشروط والمعايير التنظيمية التي تحكم تملك وإدارة الأراضي لأغراض التخييم في البرية، خاصة عندما يتعلق الأمر برؤوس أموال أجنبية تتطلع إلى دخول هذا السوق الواعد. هذه الإشكالية بالذات تشكل حجر الزاوية الذي يحدد نجاح أو فشل أي مشروع استثماري في هذا المجال، ذلك أن القوانين والتشريعات العقارية في المملكة تخضع لضوابط دقيقة تختلف جذريًا عمّا هو معمول به في الأسواق الغربية أو حتى بعض الأسواق العربية المجاورة.
من واقع خبرتي الممتدة لأربعة عشر عامًا في مجال تسجيل الشركات الأجنبية ومساعدتها على تجاوز العقبات التنظيمية، أستطيع أن أؤكد أن الملف العقاري والتزاماته القانونية يمثل أعقد التحديات التي تواجه المستثمر الأجنبي الراغب في الدخول إلى السوق السعودي. وقد شهدت بنفسي العديد من الحالات التي تعثرت فيها مشاريع واعدة بسبب عدم الإلمام الكافي بشروط إدارة الأراضي والتراخيص اللازمة، مما أدى إلى هدر الوقت ورأس المال في مسارات إدارية غير مجدية. لذلك، ارتأيت من خلال هذه المقالة أن أقدم دليلًا شاملًا ومفصلاً حول هذا الموضوع الحيوي، مستعرضًا الجوانب التنظيمية والقانونية والإدارية التي يجب على أي مستثمر أجنبي الإحاطة بها قبل الشروع في مشروعه السياحي.
الإطار القانوني
يعد الإطار القانوني المنظم لتملك الأراضي في المملكة العربية السعودية من أكثر الأنظمة وضوحًا ودقة في المنطقة، إذ تستند قواعده إلى مبادئ الشريعة الإسلامية وأنظمة الاستثمار الحديثة الصادرة عن الهيئة العامة للاستثمار. وفيما يتعلق بمشاريع التخييم البرية ذات الاستثمار الأجنبي، فقد أصدرت الجهات المختصة حزمة من التشريعات المنظمة التي تحدد وتُنظّم آلية تملك الأراضي، وتضع ضوابط واضحة لاستغلالها وفق اشتراطات بيئية ورسمية صارمة.
الجدير بالذكر أن نظام الاستثمار الأجنبي في السعودية لم يعد يقصر التملك على السعوديين فقط، بل أتاح للمستثمرين غير السعوديين فرصة تملك العقارات ذات الاستعمال الصناعي والتجاري، وذلك وفق ضوابط محددة من بينها ضرورة حصول المستثمر على ترخيص ساري المفعول من وزارة الاستثمار، مع إلزامية تسجيل المشروع في السجل التجاري قبل مباشرة أي نشاط. غير أن الأمور لا تقف عند هذا الحد، فمشاريع التخييم في البرية تخضع لرقابة إضافية من وزارة السياحة والهيئة الملكية للسياحة، حيث يُشترط الحصول على تصريح تشغيلي يحدد المساحة المسموح استخدامها وأنواع الأنشطة المرخصة ضمن نطاق المشروع.
من بين النقاط الجوهرية التي يجب على المستثمر الأجنبي إدراكها أن الأراضي غير المسماة والمواقع البرية البكر تعتبر ملكًا للدولة، ولا يمكن التفاوض على تملكها مباشرة من أي جهة خاصة. فالإجراءات تمر عبر منصة "الاستثمار العقاري" الإلكترونية التابعة لوزارة البلديات والقروية والإسكان، أو من خلال مزادات علنية تنظمها أمانات المناطق والهيئات المتخصصة، وهو ما يتطلب حضورًا قانونيًا وفنيًا متمرسًا لمتابعة الإجراءات وتقديم العروض المناسبة في الوقت المناسب. هذه الجزئية بالذات ترتبط بما نسميه في المهنة "العناية الواجبة القانونية"، وهي عملية تحقق متعمقة في الحقوق العينية والأعباء المرتبطة بالعقار قبل إتمام الصفقة.
الضوابط البيئية
تحتل الجوانب البيئية مكان الصدارة في معايير إدارة الأراضي المخصصة لأعمال التخييم البرية، خاصة في ظل التوجه العالمي نحو الاستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. وقد أدركت الجهات المختصة في السعودية أن قطاع السياحة البيئية لن يحقق النجاح المنشود ما لم يتم بالموازاة معه ضمان حماية المنظومة البيئية الهشة التي تتميز بها المناطق البرية في المملكة، والتي تشمل تنوعًا بيولوجيًا فريدًا ومحميات طبيعية ذات أهمية عالمية.
ومن هذا المنطلق، يُلزم المركز الوطني للتنمية المستدامة (لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر سابقًا) جميع المشغلين لمشاريع التخييم البرية بإعداد دراسة تقييم الأثر البيئي للمشروع، وذلك قبل الشروع في أي أعمال إنشائية أو تشغيلية. تتضمن هذه الدراسة تحليلًا شاملًا للتأثيرات المحتملة على التربة والمياه والنباتات الطبيعية والحياة الفطرية، بالإضافة إلى وضع خطط تخفيفية للحد من الآثار السلبية المتوقعة، وكيفية معالجتها في حال حدوثها، مع تقديم تقارير دورية للمركز خلال فترة تشغيل المنشأة.
أما فيما يخص إدارة النفايات الصلبة والسائلة في مواقع التخييم، فقد وضعت وزارة البيئة والمياه والزراعة اشتراطات صارمة تنص على توفير أنظمة متكاملة لفرز وتجميع وتخزين النفايات، مع الالتزام الكامل بنقلها إلى المرادم المصرح بها خارج نطاق المناطق الحساسة والمحميات الطبيعية. في هذا السياق، أتذكر حالة أحد العملاء الأوروبيين الذين تقدموا بطلب لإنشاء منتجع تخييم فاخر في منطقة تبوك، وقد استغرق الحصول على الموافقات البيئية منهم قرابة ثمانية أشهر كاملة بسبب ضرورة تعديل التصاميم المعمارية لتقليل البصمة الكربونية وزيادة المساحات الخضراء المحيطية، وهو ما يعكس جدية الجهات المختصة في تطبيق هذه المعايير.
ولا تقتصر الاشتراطات البيئية على مستوى التصميم والتشغيل فحسب، بل تمتد لتشمل أنماط التفاعل اليومي مع البيئة المحيطة، من حيث تنظيم حركة الزوار وتحديد المسارات المسموح السير فيها، وإعداد برامج توعية إلزامية للضيوف حول سلوكيات التعامل مع الطبيعة والحياة البرية. كما يتوجب على المشغلين تركيب أنظمة مراقبة بيئية ذكية لقياس جودة الهواء والمياه بشكل دوري، ورفع التقارير اللازمة للجهات المعنية، وذلك لضمان الامتثال الفعلي للمعايير وليس فقط الالتزام الشكلي بالمستندات والتراخيص.
الاستثمار الأمثل
بعد الحصول على الموافقات الأولية وتوضيح الإطار القانوني والالتزامات البيئية، ينتقل المستثمر الأجنبي إلى مرحلة حاسمة تتمثل في اتخاذ القرارات الاستثمارية الكبرى المتعلقة بحجم المشروع ونطاقه ومستوى الخدمات المقدمة. ليس من المبالغة القول إن هذه المرحلة تمثل الاختبار الحقيقي لفهم المستثمر لطبيعة السوق السعودي وتقديره السليم للفرص المتاحة والتحديات الكامنة، خاصة في ظل تزايد عدد المشاريع المنافسة التي تستهدف شريحة السياح المحليين والأجانب على حد سواء.
من بين المقاربات الاستراتيجية التي أحرص على توجيه عملائي إليها، ضرورة التمييز بين ثلاثة نماذج تشغيلية مختلفة: التخييم الاقتصادي الموجه للشباب والعائلات ذات الدخل المحدود، التخييم المتوسط الذي يجمع بين خدمات الإقامة الأساسية والأنشطة الترفيهية المتنوعة، والتخييم الفاخر أو ما يُعرف بـ"الجلamping" الذي يستهدف شريحة الباحثين عن تجربة فريدة تجمع بين الرفاهية والتواصل مع الطبيعة. ولكل نموذج من هذه النماذج متطلباته الاستثمارية والموارد البشرية وأنظمة التسويق الخاصة به، وقد شهدنا مشاريع فاخرة استطاعت تحقيق عوائد متميزة خلال مواسم الذروة السياحية في المناطق الجنوبية الغربية من المملكة.
كما ينبغي على المستثمر الأجنبي أن يضع في اعتباره التكاليف التشغيلية الثابتة والمتغيرة بعناية فائقة، بما في ذلك تكاليف استهلاك المياه والطاقة والصيانة الموسمية للمرافق، بالإضافة إلى رواتب الموظفين الموسميين الذين يشكلون العصب الحيوي لأي منشأة سياحية. في هذا الصدد، أذكر أن أحد المستثمرين الصينيين الذين ساعدناهم في تسجيل شركتهم بمدينة الرياض قد أبدى دهشته من ارتفاع تكاليف التشغيل في المواقع النائية مقارنة بنظيراتها في بلده، وهو ما تطلب إعادة هيكلة كاملة لنموذج العمل المقدم ورفع مستوى الأسعار إلى الحدود التي تتناسب مع فئة العملاء المستهدفة وجودة الخدمات المقدمة.
ولعل الأهم في هذا السياق هو بناء شبكات شراكة محلية قوية مع الموردين ومقدمي الخدمات المساندين، سواء في مجال التموين أو النقل أو الصيانة الفنية أو حتى التسويق الرقمي. هذه الشراكات ليست مجرد علاقات تجارية عابرة، بل تمثل ركيزة أساسية لضمان استمرارية الأعمال وتقليل المخاطر التشغيلية اللوجستية، خاصة في المناطق النائية حيث تتضاعف أهمية الاعتماد على الموارد والخبرات المحلية المتوفرة.
التراخيص والإجراءات
تشكل التراخيص والموافقات الحكومية الوجه الأكثر إلحاحًا وتعقيدًا في مسار إنشاء مشروع تخييم بري ذي استثمار أجنبي، ذلك أن العملية لا تقتصر على إجراء واحد أو جهة مسؤولة واحدة، بل تمتد عبر مسار متعدد المراحل يشمل عدة جهات حكومية وشبه حكومية بدءًا من وزارة الاستثمار وانتهاءً بالدفاع المدني والهيئة العامة للغذاء والدواء في بعض الحالات الخاصة. كل خطوة في هذا المسار تتطلب مستندات محددة، وتستغرق أزمنة متفاوتة، وبدون الفهم الدقيق لهذه المتاهة الإجرائية قد يضيع المستثمر أسابيع أو حتى أشهر قبل إدراك النواقص في ملفه.
يوصي الخبراء المتخصصون في شؤون الاستثمار السياحي، ومن بينهم الزميل الدكتور فهد العتيبي الأستاذ المشارك في كلية السياحة بجامعة الملك سعود، بضرورة التعامل مع هذه المرحلة من خلال مخطط زمني متكامل يتم فيه تحديد التسلسل الأمثل للحصول على الموافقات وليس مجرد القيام بها بشكل عشوائي. فالحصول على الموافقات الدفاعية مثلاً قد يستلزم استكمال متطلبات السلامة وخطط الإخلاء وصيانة طفايات الحريق، بينما قد تتطلب الموافقات الصحية وجود أنظمة معالجة مياه وتوفير مرافق صحية مؤهلة، وهذه الاشتراطات بطبيعتها تفرض نفسها على التصميم الهندسي للمشروع وبالتالي يجب أن تكون موضع نظر قبل الانتهاء من التصاميم النهائية.
أود هنا أن أشرح مفهوم الترخيص الموحد الذي طبقته وزارة السياحة حديثًا، والذي يهدف إلى تذليل الصعوبات أمام المستثمرين من خلال دمج عدد من التراخيص التشغيلية في رخصة واحدة متكاملة. ومع ذلك، يجب التنبيه إلى أن هذا الترخيص الموحد لا يغني بأي حال عن التصاريح البيئية والدفاعية والبلدية التي تظل خاضعة لأنظمتها الخاصة المستقلة، لكنه يساهم بلا شك في تقليص مساحة البيروقراطية وتحسين مناخ الاستثمار السياحي في المملكة. وقد أثبتت التجربة العملية أن المشاريع التي تستعين باستشاريين متخصصين لتولي هذه المهام الإجرائية تحقق فترات تشغيل أقصر وتتكبد أعباء مالية أقل بكثير مقارنة بتلك التي تحاول السير في هذه المتاهات الإدارية بمفردها.
في تجربة شخصية أعتز بروايتها، قامت إحدى الشركات البريطانية التي ساعدناها في تسجيل أعمالها بتوكيل محامٍ محلي متخصص في الشؤون السياحية لتولي ملف التراخيص كاملًا، وكانت النتيجة أنهم تمكنوا من افتتاح مشروعهم في منطقة العلا خلال أقل من عشرة أشهر من تاريخ التأسيس، بينما استغرقت مشاريع مماثلة أخرى في نفس المنطقة أكثر من 16 شهرًا. هذا الفارق الزمني الكبير يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن فهم البيئة الإجرائية والاستعانة بالخبرات المحلية المتمرسة يمثلان رافعة استراتيجية لأي مستثمر أجنبي جاد.
التحديات الميدانية
مهما بلغت جودة الإعداد النظري وشمولية الدراسات المكتبية، فإن المشكلات والتحديات الميدانية تظل حاضرة في كل مشروع تخييم بري على أرض الواقع، وتفاجئ حتى أكثر المستثمرين خبرة وتجربة. لقد عملت خلال مسيرتي المهنية مع عدد من المشغلين السياحيين في مناطق مختلفة من المملكة، وكان هناك تحدٍّ متكرر يظهر بجلاء في المواقع النائية، وهو صعوبة تأمين البنية التحتية الأساسية والأمر يتعلق هنا خصوصاً بالاتصالات وخدمة الإنترنت وطرق الوصول إلى المواقع.
فعلى الرغم من التطورات الكبيرة في شبكة الطرق والمواصلات في المملكة، إلا أن بعض المواقع السياحية البرية الواعدة ما زالت تعاني ضعف التغطية في خدمات الاتصالات المتنقلة، وهذا قد يكون عائقاً حقيقياً في أنشطة التخييم حيث يتطلع الضيوف بوجه عام، وبخاصة الأجانب منهم، إلى مشاركة تجاربهم بشكل لحظي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لابد من الإقرار هنا بأن منظومة التقييم والتسويق الرقمي المتطورة تحتاج إلى بنية تحتية رقمية قوية، ولا أستطيع نسيان كيفية مطالبة إحدى العميلات الألمانيات بتضمين بنود في العقد تلزم الشركة المشغلة بتوفير الإنترنت عبر الأقمار الصناعية كشرط أساسي لتحقيق تجربة الزائر المتوقعة.
التحديات الميدانية لا تقف عند حدود البنية التحتية، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك لتشمل إدارة الموارد البشرية في المواقع النائية، حيث يندر وجود العمالة المؤهلة أو قد تفتقر إلى المهارات اللازمة للتعامل مع الضيوف الأجانب وفقًا للمعايير السياحية العالمية. وقد وجدت أن أفضل الممارسات في هذه المسألة تتمثل في الاستثمار في برامج تدريب مكثفة للكوادر المحلية وتزويدهم بالمهارات اللغوية والسلوكية اللازمة، مع توفير حوافز مالية ومعنوية تشجعهم على البقاء في المواقع النائية لفترات طويلة، وهذا استثمار غير مباشر في سمعتك كمشغل موثوق.
أما التحدي الذي أعتبره الأكثر استراتيجية فهو إدارة الطلب والتشغيل في المواسم الواضحة والمحددة بقوة، والتي قد يصل فيها الإشغال إلى 100%، ثم تنخفض معدلات الطلب بشكل حاد خارج المواسم الرئيسية. تجاوز هذه التحديات يتطلب حلولاً إبداعية مثل تنويع المنتجات والأنشطة عبر المواسم، وإبرام شراكات مع الجامعات والمؤسسات البحثية لإقامة معسكرات علمية وتدريبية في فترات الطعام المنخفضة، وتطوير برامج ولاء تشجع الضيوف على تكرار الزيارة في أزمنة مختلفة من السنة.
الاستدامة المستقبلية
عند الحديث عن إدارة الأراضي بعقلية مستدامة، يتجاوز الأمر مجرد الوفاء بالالتزامات القانونية أو التسويقية الحالية، بل يتعلق ببناء نموذج أعمال قادر على الاستمرار والتجدد على المدى الطويل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على البيئة وإحداث تطور إيجابي ملموس للمجتمعات المحلية المجاورة. الشركات التي لا تدرك عمق هذه الرؤية الاستراتيجية قد تجني أرباحًا سريعة في البداية، لكنها في الأغلب ستفشل في الصمود أمام التغيرات التنظيمية والمنافسة الشديدة التي يشهدها القطاع.
في هذا السياق، أتذكر كيف أن إحدى الشركات الخليجية التي ساعدناها في أعمال التدقيق المالي قد تعرضت لغرامة مالية كبيرة بسبب تقصيرها في تطبيق بعض الاشتراطات البيئية التي كانت قد وافقت عليها في مرحلة الترخيص. كان التحدي الذي واجهتهم هو أن تكلفة إعادة تأهيل الأراضي التي تضررت بفعل الأنشطة التخييم غير المنظمة قد التهمت جزءًا كبيرًا من أرباحهم المتوقعة، ونظن أن هذا الدرس كان قاسيًا لكنه مفيد بلا شك، إذ جعلهم يعيدون هيكلة برامجهم البيئية بالكامل ويجعلونها من أولوياتهم الاستراتيجية القصوى.
إن إدارة الأراضي لأعمال التخييم بمنظور الاستدامة تعني أيضًا التفكير في ما بعد انتهاء النشاط أو عند نقل ملكية المشروع، فالمسؤولية تجاه الموقع البيئي لا تنتهي بإيقاف النشاط بل يتم إعداد خطة لإعادة تأهيل الأرض وإعادة إحياء النظم البيئية الأصلية، وهي عملية تسمى باللغة الإنجليزية "decommissioning and restoration" وهي معقدة تتطلب موارد مالية وتخطيطًا هندسيًا وتنفيذًا دقيقًا، لذلك فالشركات الأجنبية العالمية معتادة على هذه الآليات ومن الجيد أن نرى طلبًا متزايدًا عليها في السوق السعودي.
من جانب آخر، أرى أن مستقبل الاستدامة في هذا القطاع يرتبط بشكل مباشر بتبني التقنيات الخضراء والطاقة المتجددة، فالمعايير العالمية اليوم لا تنظر فقط إلى المساحات الطبيعية المحمية بل تهتم بشكل متزايد أيضًا بالبصمة الكربونية للمنشآت الفندقية والسياحية. وعليه، نحث عملاءنا من المستثمرين الأجانب على تضمين أنظمة الطاقة الشمسية ومحطات معالجة المياه وإعادة تدوير النفايات في تصميماتهم الأساسية منذ البداية، حتى وإن كانت التكلفة الأولية أعلى بوضوح، لأن هذه الاستثمارات ستحقق وفورات تشغيلية كبيرة خلال دورة حياة المشروع وستعزز السمعة البيئية للعلامة التجارية مع المستهلكين الواعين حول العالم.
الفرص والعوائد
إذا تحدثنا بصراحة بعيدًا عن التحفظ المؤسسي، فإن الفرص الاستثمارية في مجال التخييم البري بالمملكة العربية السعودية تعتبر من بين الأفضل على مستوى المنطقة بالنسبة للمستثمرين الأجانب القادرين على فهم السوق وتكييف عروضهم مع الخصوصيات المحلية. هذه الثقة تنبع من مؤشرات اقتصادية وسياحية لا يمكن إغفالها، إذ شهد قطاع السياحة في المملكة نموًا مضطردًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، مع ارتفاع ملحوظ في أعداد الزوار من الأسواق الأوروبية والآسيوية بعد تحرير نظام التأشيرات وإطلاق منصات التأشيرة الإلكترونية.
كما تتيح المبادرات العملاقة مثل مشروع البحر الأحمر والدرعية والوجهات السياحية في العلا، فرصًا إضافية لرواد أعمال التخييم من خلال الشراكة مع هذه الكيانات الكبرى وتقديم خدمات متكاملة للزوار في المواقع التابعة لها. من المهم أن يدرك المستثمر الأجنبي أن هذه المشاريع لا تعمل في الفراغ، بل تحتاج إلى منظومة من الموردين والمشغلين المتخصصين في الأنشطة المصاحبة، ومن بينها أنشطة التخييم والجولات السياحية البرية والخدمات اللوجستية المصاحبة لها، وبالتالي فإن إنشاء شركة متخصصة في هذا المجال الآن يضعك في المقدمة للمشاركة في هذا التوسع الهائل.
فعلى المستوى المالي البحت، تظهر الدراسات التي أجرتها الهيئة السعودية للسياحة أن متوسط العائد على الاستثمار في مشاريع التخييم الفاخر يتراوح بين 12% و18% سنويًا وذلك بعد استقرار العمليات في السنة الثانية أو الثالثة من التشغيل، مع عامل مضاعف أعلى بكثير في المواقع الاستراتيجية القريبة من الوجهات السياحية الرئيسية. حتى في مشاريع التخييم الاقتصادية، يمكن تحقيق عوائد مقبولة تتراوح بين 8% و12% خصوصًا مع الاستفادة القصوى من الإقبال المرتفع للسياحة الداخلية خلال العطلات المدرسية والأعياد الوطنية.
لذا فإن النصيحة الأهم التي أقدمها لأي عميل أجنبي يبحث عن الدخول إلى هذا السوق هي أن ينظر إلى القطاع بعين المدى الطويل، بمعنى ألا يتعامل معه كمغامرة سريعة، بل كاستثمار يتم بناؤه على أساس علمي قوي، وهذا يتطلب الصبر في مرحلة التأسيس والحصول على التراخيص، والاستثمار الحقيقي في الجودة والتدريب وبناء السمعة، وألا ينسى طبعًا أهمية الشريك المحلي الذي يمكن أن يقدم فهمًا عميقًا للسوق وقنوات الوصول إلى العملاء والفرص غير المتوقعة أحيانًا. وأؤكد واثقًا على أن من يدخل هذا السوق المؤسسي بشكل صحيح سيجد عوائد مجزية ومسارًا ملموسًا لتوسيع أعماله في بلاد الحرمين الشريفين.
الخاتمة والرؤية
في ختام هذه المقالة المستفيضة، أود أن أوضح بأن فوائد الاستثمار الأجنبي في قطاع التخييم البري تتجاوز العوائد المالية المباشرة لتشمل تطوير المنظومة السياحية المحلية، ونقل المعرفة والتقنيات الحديثة إلى الكوادر والممارسين السعوديين، وهذا بدوره يعزز المكانة العالمية للمملكة كوجهة سياحية رئيسية على خريطة السياحة العالمية.
أنصح المستثمرين الأجانب الجادين في هذا القطاع بأن يبدؤوا رحلتهم مبكرًا بتقييم ذاتي دقيق لإمكاناتهم وقدراتهم، وتعيين فريق عمل محلي ذو خبرة في المجالات القانونية والضريبية والبيئية، والسير في جميع مراحل التأسيس والتشغيل وفق خطة مرحلية محسوبة المخاطر. ونحن في شركة جياشي، ومن خلال تمازج 12 عامًا من الخبرة في الجوانب الضريبية والمحاسبية مع 14 عامًا في تسجيل الشركات الأجنبية وتقديم الاستشارات اللازمة، نؤكد أنه لا يوجد مستثمر ناجح دون استشاري موثوق يرافق خطاه، وبعبارة العارفين، "اللي ما يخاف الحساب، يلاقي العذاب"، ومن يبني أساسه المعرفي والقانوني سليمًا منذ البداية فهو الطريق الصحيح لتحقيق النجاح والاستدامة.
أما على الصعيد الاستشرافي وبالنظر إلى ما ينتظر هذا القطاع مستقبلاً، فأرى أن السوق السعودية بصدد إعادة تعريف السياحة البرية على مستوى المنطقة بأكملها، مدفوعة بالاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، والتطور التقني المتسارع في مجال السياحة الذكية، والتحولات المجتمعية نحو المزيد من الاهتمام بالصحة النفسية والتواصل مع الطبيعة. كما أن تبني معايير الاستدامة العالمية العالية والمراجعة الدورية لتلك المعايير، سيجعل مشاريع التخييم السعودية في مصافّ المشاريع الرائدة عالميًا، الأمر الذي سيقود إلى المزيد من الاندماج الاقتصادي والثقافي بين المملكة وأسواق السياحة العالمية الكبرى.
رؤية شركة جياشي حول شروط إدارة الأراضي لأعمال التخييم في البرية ذات الاستثمار الأجنبي
استنادًا إلى خبراتنا المتراكمة في سوق الاستثمار السياحي السعودي، نؤكد في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة أن نجاح مشاريع التخييم البرية ذات الاستثمار الأجنبي يتوقف على أربعة عناصر جوهرية: الفهم العميق للوائح هيئة الاستثمار العقاري، الامتثال الصارم للمعايير البيئية المتجددة، بناء شراكات محلية متميزة، وتصميم النموذج التشغيلي الذي يتناسب مع خصوصية السوق السعودي. نسعى جاهدين لأن نكون شريكًا استراتيجيًا لعملائنا من المستثمرين الأجانب من خلال تقديم حزمة خدمات متكاملة تشمل الدراسات القانونية والجدوى الاقتصادية وإعداد ملفات الترخيص والمعالجة الضريبية الأمثل، إلى جانب الإدارة المالية والمراجعة الدورية لامتثال المشروع للأنظمة المحلية. نحن نؤمن بأن الشفافية والمعرفة الدقيقة بقواعد اللعبة هما مفتاحا النجاح الحقيقي في أي سوق، وأن دورنا هو ضمان وصول عملائنا إلى قرارات استثمارية رشيدة وقولبة أعمالهم وفق أعلى المعايير الدولية مع احترام كامل للإطار التنظيمي السعودي، وبما يسهم في نهاية المطاف بتحقيق أهداف رؤية 2030 الاقتصادية والتنموية.