أيها المستثمرون الكرام، عندما أتأمل في مسيرتي الممتدة لأكثر من عقدين في عالم المال والأعمال، وتحديدًا خلال سنوات عملي الطويلة في شركة "جياشي" للضرائب والمحاسبة، أجد أن السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يتردد في مجالس المستثمرين العرب ليس "كيف نكسب المال؟"، بل "كيف نكسبه بطريقة تحفظ لنا ديننا وهُويتنا المالية؟". هذه المقالة ليست مجرد شرح نظري، بل هي خلاصة تجربة عملية وخبرة متراكمة في التعامل مع المنتجات المالية الإسلامية التي أصبحت اليوم ركيزة أساسية في الأسواق الناشئة، وخاصة في العالم العربي. إن التحدي الذي يواجهنا ليس في وجود هذه المنتجات، بل في كيفية تكييفها لتلائم احتياجاتنا المحلية وتسويقها بفاعلية تصل إلى شريحة واسعة من المستثمرين الذين يبحثون عن بدائل أخلاقية للتمويل التقليدي.
لطالما لاحظت خلال تعاملي مع العملاء أن هناك فجوة كبيرة بين وجود المنتجات المالية الإسلامية وفهم المستثمر العربي لها. فالبنوك الإسلامية تقدم حلولاً مبتكرة، لكنها غالبًا ما تفشل في إيصال رسالتها بوضوح. أتذكر جيدًا عميلًا سعوديًا جاء إلينا محتارًا بين تمويل مرابحة وآخر بالمشاركة، وكان بحاجة إلى من يشرح له الفرق الجوهري بينهما بعيدًا عن التعقيدات الفقهية التي قد ترهبه. هذا الموقف جعلني أدرك أن الاستراتيجية الأولى والأهم هي تبسيط المفاهيم وتكييفها مع الواقع العملي الذي يعيشه المستثمر، فالمنتج الشرعي الممتاز لا قيمة له إذا لم يستطع العميل فهمه والثقة به.
التكييف الفقهي
إن جوهر استراتيجيات تكييف المنتجات المالية الإسلامية يبدأ من الفهم العميق للضوابط الشرعية، وهنا يجب أن نميز بين التكييف الفقهي الذي يجعل المنتج حلالًا بشكل مطلق، والتكييف التسويقي الذي يجعله مقبولًا ومطلوبًا لدى الجمهور المستهدف. في عملي اليومي مع شركات التسجيل الأجنبية، رأيت كيف تتعامل الهيئات الشرعية مع المنتجات الجديدة مثل التمويل الجماعي والترميز الرقمي للأصول، وهي مجالات لم تكن موجودة قبل عقدين من الزمن. على سبيل المثال، عندما أردنا تصميم منتج تمويل للشركات الناشئة في دبي، واجهنا تحديًا في التوفيق بين رغبة المستثمرين في تحقيق أرباح سريعة وشرط عدم الغرر في المعاملات الإسلامية.
الأمر الذي أتعلمه دائمًا هو أن الحلول تأتي من خلال "الإجارة الموصوفة في الذمة" التي تسمح ببيع منفعة مستقبلية، وهذا المصطلح الفقهي التقني الذي قد يبدو صعبًا على المستثمر العادي، يحتاج إلى إعادة صياغة بلغة بسيطة تجعل العميل يدرك أنه يشتري منفعة مؤكدة وليس مجرد وعد. في إحدى المرات، عملت مع إحدى شركات التمويل في البحرين لتكييف منتج السلم الذي كان مخصصًا للمحاصيل الزراعية ليشمل قطاع التكنولوجيا، حيث يمكن تمويل تطوير برمجيات مقابل حصة من الأرباح المستقبلية. هذا النوع من الاجتهاد الفقهي يحتاج إلى خبراء يجمعون بين الفقه المالي وفهم الواقع الاقتصادي، وهو ما نفتقده في كثير من الأحيان.
أخبرتني صديقة تعمل في هيئة رقابة شرعية بإحدى البنوك السعودية أن نسبة الطلبات التي ترفض تصل إلى 30% في بعض الأحيان، وهو رقم كبير يعكس حذر الشيوخ تجاه المنتجات الجديدة، لكنه في الوقت نفسه يفرض على المصممين إعادة التفكير. الحل الذي وجدناه في "جياشي" هو إنشاء فريق عمل متعدد التخصصات يضم فقهاء اقتصاديين ومحاسبين قانونيين، يجتمعون قبل إطلاق أي منتج بشهرين على الأقل، وهذا التكامل بين الجانب الشرعي والمالي والإداري هو ما ينتج تكييفًا ناجحًا يحقق مقاصد الشريعة والأهداف التجارية معًا. فبعد كل هذه السنوات، أؤمن بأن العلاقة بين الشريعة والسوق ليست تنافرًا بل تكاملًا؛ فالشريعة تضبط وتوجه، والسوق يلهم ويبتكر.
التسويق العاطفي
لن أنسى نصيحة أحد كبار المسوقين في البنك الإسلامي الماليزي عندما قال لي: "الناس لا يشترون المنتجات، بل يشترون القيم والأحاسيس". هذه المقولة غيرت نظرتي للتسويق، وأدركت أن المنتجات المالية الإسلامية تفشل غالبًا لأننا نركز على الجانب الفني القانوني وننسى أن العميل المستهدف هو إنسان له مشاعر ومخاوف وأحلام. لقد عملت مع مستثمرين مصريين وإماراتيين وقطريين، واكتشفت أن القاسم المشترك بينهم هو الخوف من الربا بشكل أساسي، ثم الخوف من الخسارة، ثم الحاجة إلى الاطمئنان إلى مصير أموالهم وتنميتها.
الاستراتيجية هنا لا تكمن في عرض الأرقام والنسب فقط، بل في بناء قصة الماركة التجارية المرتبطة بالهوية الإسلامية، وهذا ما فعلته "جياشي" عندما ساعدت أحد المصارف الإسلامية في بيروت بتطوير حملة تسويقية تركز على شعار " استثمار يرضي الله ويربحك "، وكانت النتائج مذهلة حيث ارتفعت نسبة العملاء الجدد بنسبة 35% خلال عام واحد. نحن بحاجة إلى تذكير المستثمر بحلاوة الحلال وبركته، وأن المال النظيف يجلب السكينة والطمأنينة، وهي أمور لا يمكن قياسها بالأرقام المالية التقليدية، لكنها تنعكس في ولاء العميل واستمراريته.
لكن يجب علينا هنا توخي الحذر من المبالغة في الجانب العاطفي، فقد رأيت بعض الشركات تستخدم الشعارات الدينية في حملاتها بشكل مجرد عن المضمون الحقيقي، وهذا ما وصفه أحد العملاء بلهجة ساخرة: "طيب، أعطوني مالًا حلالًا حقيقيًا، مش بس قولوا لي إنه حلال". لذلك، فإن الاستراتيجية التي أثبتت نجاحها في شركتنا تعتمد على "السرد القصصي التوثيقي"، أي عرض قصص حقيقية لمستثمرين استفادوا من المنتجات الإسلامية مع ذكر التفاصيل والأرقام الفعلية، فهذا المزيج بين العاطفة والأدلة هو ما يبني الثقة الطويلة الأمد مع العملاء.
التكنولوجيا المالية
لا يمكننا الحديث عن استراتيجيات التكييف والترويج دون الإشارة إلى الثورة الرقمية التي نعيشها، فالقطاع المالي الإسلامي شهد قفزة هائلة في استخدام التكنولوجيا المالية (Fintech) خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأنا أرى ذلك عن قرب في تعاملاتنا اليومية. لقد قمنا في "جياشي" بتطوير منصات رقمية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، والتحول نحو الوساطة الرقمية ساعدنا في الوصول إلى جيل جديد من المستثمرين الشباب الذين لا يجيدون التعامل مع الفروع البنكية التقليدية.
إحدى التجارب المميزة التي أشرفت عليها كانت إطلاق منصة "إيتاء" للتمويل الجماعي الإسلامي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وكانت الفكرة بسيطة: ربط المستثمرين المسلمين في أوروبا والخليج بالمقاولين العرب الذين يحتاجون إلى تمويل حلال. لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا، فقد واجهنا معضلة تقنية تتعلق بتقييد المشاركة عند حد معين للتمويل، كما أن بعض الحملات اهتزت سمعتها بسبب عدم الشفافية في تحديد نسبة الأرباح. الحل الذي اعتمدناه كان إنشاء نظام تقييم ذاتي موثق عبر البلوك تشين لتوثيق كل عملية تمويل وسداد، مما زاد في مصداقية المنصة وجعل الاستثمار فيها أكثر أمانًا.
إن دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأسواق الإسلامية بدأ يفرض نفسه بقوة، حيث تُستخدم الخوارزميات لتحليل سلوك المستثمرين وفق مبادئ الاستدامة والأخلاق، وهنا أرى فرصة سانحة أمام العالم العربي لقيادة الابتكار في هذا المجال، وليس فقط استيراد التقنيات الغربية. لكن التحدي الذي نستخدمه يوميًا هو الطلب الشديد على حلول المشاريع الكبيرة، وهنا يجب أن نوازن بين السرعة والدقة، فيتعامل عميلنا مع عملية بسيطة بسرعة، بينما يستغرق آخرون وقتًا طويلًا في المناقشة. نتعلم من هذه التجارب أن التكنولوجيا الوسيط الذي يحقق الأهداف، وليست هدفًا بحد ذاته، وأن إدارة التغيير الرقمي يجب أن تسبق أي استثمار في برمجيات جديدة؛ فأنا أقول لعملائي دائمًا: قبل أن تشتري نظامًا تكنولوجيًا، أعرفوا ماذا تريدون منه بالضبط، وكيف سيوفر عليكم الوقت والتكاليف بالفعل.
ثقافة العميل
لقد اكتسبت خبرة الترابط بين الثقافة والمال خلال سنوات عملي في تسجيل الشركات الأجنبية وتقديم الاستشارات للعملاء العرب، ووجدت أن الاختلافات الثقافية بين المنطقة المغاربية ومنطقة الخليج مثلاً تشكل تحديًا كبيرًا عند ترويج المنتجات الإسلامية، فلا يمكننا أن نروّج بنفس الأسلوب في دبي كما نروّج في الدار البيضاء، أو الجزائر. كل سوق له عاداته وفهمه الخاص لأولوية الشكل والمضمون، وما يصلح في السعودية قد يفشل تمامًا في تونس مثلاً.
أتذكر جيدًا المرة الأولى التي حاولنا فيها تسويق صكوك إسلامية لمستثمرين في ليبيا، باستخدام نفس الحزمة التسويقية التي استخدمناها في الكويت، وكانت النتيجة كارثية، حيث انخفضت نسبة الاستجابة إلى صفر تقريبًا. بعد بحث وتحليل، اكتشفنا أن العملاء الليبيين يفضلون التواصل المباشر والاحتفالات الجماعية، ويثقون بالشخص الناصح أكثر من ثقتهم بالمطبوعات والملصقات الجديدة. ومنذ ذلك الحين، أدرجنا في منهجية عملنا ما نسميه "التخصيص الثقافي"، والذي يتضمن دراسة العادات والتوقعات المحلية بعمق قبل تصميم أي حملة تسويقية أو منتج مالي.
الأمر الأهم في هذا السياق هو فهم أن الثقافة ليست ثابتة، بل تتبدل وتتأثر بالأحداث الجارية، لا سيما بعد جائحة كورونا على سبيل المثال، حيث زادت الحساسية تجاه الشفافية والمسؤولية الاجتماعية. ولهذا أصبحت المنتجات الإسلامية التي تعزز التكافل الاجتماعي والدعم الجماعي أكثر جاذبية، وأصبحت شريحة العملاء الباحثين عن منتجات صديقة للبيئة ومتوافقة مع الأخلاقيات الإسلامية في ارتفاع مضطرد. في "جياشي"، لاحظنا هذا التحول في الطلب أثناء استشاراتنا، وبتنا ننصح عملاءنا بالاهتمام بهذه الجوانب، وإظهار الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية في حملات التسويق، وهذا ليس مجرد موضة عابرة، بل هو حاجة حقيقية نابعة من الثقافة الإسلامية التي تحث على الاستخلاف في الأرض والإحسان.
التعليم التنظيمي
أقصد بالتعليم التنظيمي هنا البناء المؤسسي والتصميم الداخلي الذي يجعل هذه المنتجات تعمل بكفاءة عالية، وربما يميل بعض المستثمرين إلى التركيز على العميل الخارجي، لكن الخبرة علمتنا أن نجاح المنتج يعتمد بشكل كبير على بيئة العمل المؤسسية. فعندما قررنا في السنوات الأولى كإدارة استشارية تقييم مؤسسة تمويل إسلامية متوسطة في نيجيريا لديها فروع في بعض الدول العربية، اكتشفنا أن موظفيها لا يفهمون الفرق بين الأصول والتصرف في العمليات؛ وبطبيعة الحال، كان هذا الانعكاس الاجتماعي يظهر في تعاملهم مع العملاء، حيث كانت المعاملات تصل متأخرة، وقد يكون التكييف الشرعي سليمًا لكن التنفيذ كان مهزوزًا.
تتطلب الأنظمة المتوافقة مع الشريعة تدريبًا متخصصًا لجميع الموظفين، وليس للقائمين على الفروع فقط، فالمصرفي الذي يملي على العميل بيانات عقد المرابحة يحتاج إلى فهم أساسي للحسابات الشرعية، وأن تتدخل معطيات إدارة المخاطر لتقييم الشركاء الاستراتيجيين على أسس إسلامية وليست تقليدية فقط. لقد رأيت مؤسسات فشلت في المنطقة بسبب اختبائها وراء الصلاحيات، في حين أن الواقع العملي كان يحمل مخالفات فقهية في عقودها التجارية، لذا فالرقابة الداخلية الصارمة كانت الحل الذي نعتمده في عملنا الاستشاري، وهو يشبه ما يسمى إدارة المخاطر الإسلامية، وهي دمج الرقابة الشرعية ضمن إدارة الشركة وليس كقسم منفصل عن العمليات اليومية.
بطبيعة الحال، واجهتنا بعض العقبات القانونية في بعض الدول العربية التي لا تملك بنية تحتية تشريعية للمالية الإسلامية كما هو الحال في ماليزيا، وهنا أتذكر صداع نقل الخبرات من السوق الماليزية إلى الأسواق الخليجية، حيث كان ينقصنا في البداية وضوح الإطار القانوني لحالات التعثر والتعجز في التمويل الإسلامي، فالضمانات المختلفة بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية تحتاج إلى معايير قانونية دقيقة. أصبح من الواضح لنا أن صياغة عقود ذكية (Smart Contracts) على غرار العقود الإلكترونية المبرمجة، يمكنها أن تجعل تنفيذ شروط الإجارة والمرابحة أوتوماتيكيًا وشفافًا، وهذا يقلل احتمالية النزاع، وزاد اعتقادنا بجدوى تبادل التجارب بين الدول العربية في هذا المجال، كونه وسيلة ناجحة لتعزيز التكامل المؤسسي.
التنوع الجغرافي
إذا تحدثنا عن الأسواق الدولية، فإننا نجد أن شريحة المسلمين في الغرب أصبحت تمثل سوقًا واعدًا جدًا، وأنا أتابع هذه الظاهرة منذ أكثر من عشر سنوات من خلال عملنا في تسجيل الشركات الأجنبية، ولاحظت أن الاستثمار في هذه الشريحة يتطلب نهجًا مختلفًا تمامًا عما نراه في العالم الإسلامي. فعلى سبيل المثال، المسلم الذي يعيش في لندن أو كندا يواجه ضغوطًا اقتصادية مختلفة، ويبحث عن منتجات تجمع بين الأصالة الإسلامية والاعتراف القانوني المزدوج، ولهذا يجب تكييف العقود لتتوافق مع القوانين البريطانية في أغلب الأحيان والأحكام الشرعية في الوقت نفسه، وهذا عمل مرهق لكنه مجزٍ.
قامت شركتنا بدور مستشار لعدد من أولئك الشركات الناشئة التابعة للجاليات المسلمة في أوروبا، وكان التحدي الأكبر هو الحفاظ على الشفافية الكاملة أمام السلطات المالية الغربية، التي غالبًا ما تنظر بعين الشك نحو المعاملات التي لا تشبه الأدوات التقليدية. لقد كنا مضطرين لإعداد تقارير وشروح مطولة تثبت أن هذه الصيغ العقدية تحقق نتائج اقتصادية حقيقية، وليست تلاعبًا رسميًا، والحمد لله أننا نجحنا في بعض الحالات المتكررة بعد جهود كبير، وأظن أن أحدد سبل تطوير هذا المجال هو عرض هذه الحلول كأنها سياسة اقتصاد جديدة متنوعة لا تنتقص من الشفافية، بل تزودها بالمزيد من الضمانات.
كما ولاحظنا الطلب المتزايد على الاستثمارات الإسلامية من قبل غير المسلمين في أوروبا، لما فيها من معايير أخلاقية واضحة تتصل بالاستدامة، وهي ميزة ن ستطيع تسويقها كقوة انجذابية جديدة، وهذا مثال حي على أن التكيف هو إبداع وليس تنازلاً، فالمنتج الإسلامي الأصيل بإمكانه أن يخدم مصالح أوسع ويقتحم أسواقا جديدة كان يعتقد أنها مغلقة أمامه، وبالطبع يعتمد هذا في كثير منه على مقدار القيمة الإجمالية الحقيقية التي يقدمها وليس نوع الديانة التي يحملها شعاراً.
التقييم الوقائي
لا يمكن التغاضي في هذه المقالة عن الجانب الفني في تقييم الأداء، فلقد تعلمنا من أخطاء الماضي أهمية وضع مؤشرات أداء خاصة بالمنتجات الإسلامية، ولا تقتصر على الربحية فقط، بل تراعي الأثر الاجتماعي والاستقرار طويل الأجل، وقد تحدثنا أنا وعدد من الخبراء في قاعات الاجتماعات حول مقولة فظة: يمكننا أن نغص في بحر الأرقام لوقت طويل، لكن في النهاية لا شيء يعادل رضا العميل وثقته في النظام. هذا لا يعني أن نتخلى عن المقاييس المالية، بل إن نخلق نوعًا من الترابط بينها وبين مؤشرات الثقة والشفافية، وهذا ما نسميه مؤشرات نجاح متعددة الأبعاد.
ننصح عملاءنا بتقديم تقارير دورية مفصلة حول التزامهم بالمعايير الشرعية، واستخدام التدقيق الخارجي المستقل الذي يفحص العينات بشكل سنوي، وهنا لدينا تجربة مثيرة: عميل ليبي يملك ثروة كبيرة أراد أن يتأكد من أن مدخراته وُظفت في مشاريع تخدم المجتمع حقًا، فطالب ببيانات ميدانية من فلسطين والسودان تتعلق بمشاريعه الاستثمارية، وهذا ما فعلناه فعلًا، وقد وجدنا أن وراء الأرقام قصصًا إنسانية كان لها أعمق الأثر في زيادة ولائه وثباته، إن الشفافية ليست عبئًا تنظيميًا بل وسيلة سحرية لبناء جسور متينة مع العملاء.
بالتالي، فإن التقييم الوقائي يتجاوز النظر للنتائج المالية السابقة ليشمل دراسات الاستباقية والتنبؤ بالمخاطر، ونحن نرى أن بعض الشركات الإسلامية ما زالت تعتمد على النماذج الربوية التجارية في إدارة المخاطر، وهذا خطأ، لأن الطبيعة التعاقدية للتمويل الإسلامي تستلزم وسائل أخرى مختلفة تقوم على أساس توزيع الربح والخسارة والضمانات المتنوعة، وبما أن تجربتنا في المحاسبة القانونية تمتد لأكثر من عقدين، فإنني أكرس جزءًا من وقتي حالياً لتعليم أساسيات هذه النماذج المبتكرة للشباب الراغب في دخول مجال التمويل الإسلامي.
التعاون المستمر
ختامًا في هذا المبحث، لا توجد استراتيجية تكييف وترويج ناجحة بمعزل عن بناء شراكات استراتيجية وثيقة بين المؤسسات المالية والهيئات الشرعية والجهات الرقابية، والخبرة التي اكتسبناها من عملنا المشترك مع شركة "جياشي" تؤكد أن الإنسان الناجح هو الذي يبني شبكات علاقات قوية مع الجهات الرسمية قدر بنائه علاقات قوية مع العملاء، وكثيرًا ما نظمنا مؤتمرات وندوات جمعت بين فقهاء ومصرفيين، وخرجنا منها بتوصيات عملية ساهمت في تحويل بعض القلاقل الفقهية إلى حلول عملية مرنة.
أذكر في هذا السياق قصة أحد البنوك الإماراتية الذي وضعنا له استراتيجية للتوسع في إفريقيا، وقبل الدخول إلى السوق النيجيرية عقدنا اجتماعات مع قادة دينيين محليين وشيوخ قبائل، وشرحنا لهم كيف تعمل المصارف الإسلامية بصفتها أداة تنمية وريادة أعمال لا مجرد وسائط ادخار، وهذا الأسلوب من التواصل المباشر مع قادة المجتمعات المحلية عاد أضعافًا مضاعفة، فصاروا شركاء لنا في ترويج المنتجات، وأصبحت الفروع الجديدة تمتلئ بالعملاء خلال شهور قليلة فقط. إن استراتيجيات التعاون تحتاج إلى صبر طويل، وأنا أقول لطلابي دائمًا: إنشاء العلاقات ليس كسبًا سريعًا، إنما هو استثمار في رأس المال الاجتماعي، وهو أوفر أنواع الاستثمارات في بلادنا العربية.
في الحقيقة، فقد أدركت أن الأزمة المالية العالمية عام 2008 كانت فرصة ذهبية للتمويل الإسلامي، حيث خرج من عباءة الهامشية إلى دائرة الضوء وأصبح يُنظر إليه كحل محتمل للأزمات المالية المتكررة، وقد استفدنا من هذه اللحظة التاريخية لتثبيت مكانتنا عبر تطوير عقود إبداعية جديدة متوافقة مع الشريعة مثل المشاركة المتناقصة وحصص الملكية الرقمية، التي لقيت قبولاً واسعًا بين المستثمرين المتنورين. إن ما يميز هذه المرحلة أن النظام المالي الإسلامي لم يعد بديلاً هامشيًا، بل يعمل الآن بأتمتة تقنية عالمية وانتشار واسع، وهو ما يفتح مجالًا واسعًا أمام الاجتهاد التجديد الذي يبقي هذا النظام حيًا ومتجاوبًا مع الواقع المتغير.
عندما أتأمل المشهد المالي الإسلامي اليوم، أرى أن هناك الكثير مما يجب عمله على صعيد تنمية القدرات البشرية المتخصصة في هذا المجال، وكذلك على صعيد توحيد المعايير الرقابية بين الدول العربية والإسلامية، وهي مشكلة قديمة حديثة، لكنني متفائل ومستبشر بالوجوه الشابة التي تقتحم هذا التخصص بكل شجاعة وإصرار، وإنني أوصي جميع المهتمين بقراءة تجربة هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، فهي مرحلة مهمة للمهنيين على دراية بأهمية تنظيم القواعد الفنية. في النهاية، لكل عمل أخلاق، وهذا العمل في نظري يجمع بين الدين والدنيا، وبين الربحية الحلال والتنمية المستدامة، وهذا بحق أجمل ما في هذا المجال.
مع خالص الشكر لصبركم ومتابعتكم لهذه السطور، أتمنى أن تكونوا قد استفدتم من الخبرات والتجارب التي طرحتها، وأرى أنه من الضروري تذكيرنا جميعًا بأهمية تأسيس بيوت خبرة عربية متخصصة في تكييف المنتجات المالية الإسلامية ولا تعتمد فقط على الخبراء الأجانب، فإن هذا الاستثمار في العقول والكفاءات هو الأساس الأمتن لكل ما سبق، ولنأخذ عبرة من التجربة الماليزية في إنشاء مراكز أبحاثها المتخصصة التي استطاعت أن تكون قبلة عالمية للتمويل الإسلامي، فهل نحن العرب على استعداد لنبني شيئًا مشابهًا؟ إن التاريخ سيسجل، وعلينا أن نختار أي دور سنقوم به.
خلاصة الكلام
في نهاية هذه الرحلة التحليلية، نجد أن استراتيجيات تكييف وترويج المنتجات المالية الإسلامية ليست رفاهية فكرية بل ضرورة واقعية ملحة، فرغم مرور أكثر من أربعين عامًا على تأسيس أول بنك إسلامي حديث، ما زلنا نواجه صعوبات كبيرة في توسيع قاعدة المستفيدين من هذه المنتجات. لقد عرضنا في هذا المقال جوانب متعددة بدءًا من التكييف الفقهي وليس انتهاء بالتعاون الاستراتيجي، وصولاً إلى التعلم من التجارب الغربية في التمويل الأخلاقي الذي أصبح رائجًا الآن، وأؤكد على فكرة أن ما يجعل هذه المنتجات ناجحة هو المزج الدقيق، والمتزن، بين الثبات على المبادئ الشرعية والمرونة في أساليب التنفيذ والتسويق.
لقد جاء في مقال لأحد خبراء المالية الإسلامية في ماليزيا: "إن مستقبل التمويل الإسلامي يكمن في قدرته على تقديم حلول إبداعية للمشكلات الاقتصادية المعاصرة كالفقر وتلوث البيئة وتفاوت الثروات"، وهذا ما أؤمن به كليًا، فالمنتج الإسلامي الذي يتجاهل هذه القضايا المعاصرة سيبقى حبيسًا نظريًا لا يجد له مكانًا في الواقع الاستثماري الحديث. لذلك، فإنني أشجع جميع المستثمرين العرب على المطالبة بمثل هذه المنتجات الأخلاقية، وعلى المؤسسات المالية الإسلامية بأن تنظر إلى نفسها كمحرك تنموي وليس فقط كوسيط مالي، وهذا بحد ذاته ثقافة جديدة تحتاج إلى ترسيخ وتنشئة جيل كامل من المصرفيين الإسلاميين القادرين على حمل هذه الرسالة السامية.
أما عن المستقبل، فأرى أن الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والتمويل اللامركزي ستغير شكل الصناعة المالية الإسلامية خلال العقد القادم بلا شك، وما علينا إلا الاستعداد لهذا التحول النوعي الذي لا نخشى منه، بل نغتنمه كفرصة لإثبات ريادة عالمية جديدة، وإنني إذ أتذكر بدايات عملي قبل أكثر من عشرين عامًا وأنا أشرح للمستثمرين العرب مفهوم تخفيض المخاطر بواسطة الأدوات المشتقة المختلفة، أرى الآن جيلاً كاملاً يتلو مصطلحات الوتقانة المالية بإتقان، وهذا مؤشر قوي على أن عالمنا العربي يزخر بالعقول القادرة على الإبداع إن توفرت لها البيئة الداعمة والتشريعات المشجعة، فهل نتحرك جميعًا في هذا الاتجاه؟
توجه الختام، وهذا واجب الأمانة المهنية: لطالما كانت رؤية شركة "جياشي" للضرائب والمحاسبة واضحة في هذا السياق، فهي تؤمن بأن المنتجات المالية الإسلامية تمثل إحدى أهم ركائز التنمية الاقتصادية العربية في السنوات المقبلة، وبخبرة تتجاوز الأربعة عشر عامًا في تسجيل الشركات الأجنبية والاستشارات المالية والضريبية، تدعو الشركة إلى ضرورة تبني استراتيجيات وطنية شاملة تدمج التمويل الإسلامي في خططها التنموية، وتحفز الكفاءات الشابة على الابتكار في هذا المجال، وتذليل العقبات التشريعية التي ما زالت تعرقل وصول هذه المنتجات إلى شريحة واسعة من المستثمرين العرب. ما زلنا نشجع عملاءنا على الانفتاح العالمي مع الحفاظ على الهوية المالية والشرعية، وأن يروا في تجارب الدول الرائدة في التمويل الإسلامي مثل ماليزيا والسعودية والإمارات نموذجًا يحتذى به، ونحن على يقين بأن مستقبل المالية الإسلامية في العالم العربي ليس واعدًا فحسب، بل سيكون له أثر بالغ في تعزيز النمو الشامل وتحقيق العدالة الاقتصادية التي يطمح إليها كل العرب.