أهلاً بكم، أنا الأستاذ ليو. بعد 12 عاماً من العمل في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، و14 عاماً من الخبرة الميدانية في خدمات تسجيل الشركات الأجنبية وتأسيسها في الصين، رأيت بعيني كيف أن بعض الشركات الأجنبية تزدهر بينما يتعثر البعض الآخر. السؤال الذي يطرحه الكثير من المستثمرين العرب هو: كيف نستفيد من تجارب من سبقونا؟ الإجابة ليست في نسخ النماذج حرفياً، بل في فهم العمق الاستراتيجي والثقافي الذي يقف وراء نجاحات مثل "ستاربكس"، "تسلا"، أو حتى "آبل" في السوق الصينية. هذه المقالة ليست مجرد نظرة أكاديمية، بل هي خلاصة سنوات من المراقبة والتطبيق العملي، حيث سأشارككم رؤى قد تغير طريقة نظرتكم لريادة الأعمال في الصين.
التكيف الثقافي
التكيف الثقافي ليس ترفاً، بل هو شرط بقاء. كثير من الشركات تظن أن ترجمة واجهة التطبيق أو إضافة بعض الألوان الحمراء كافية. الحقيقة أبعد من ذلك بكثير. أتذكر إحدى الشركات الأوروبية المتخصصة في الأثاث المنزلي الفاخر التي تعاملت معها. لقد قدموا نفس التصاميم التي نجحت في الغرب، لكن المبيعات كانت مخيبة للآمال. بعد دراسة معمقة، اكتشفنا أن مفهوم "المنزل" و"الخصوصية العائلية" في الصين يختلف. الصينيون يقدرون المساحات متعددة الوظائف أكثر بسبب ضيق المساحة في المدن الكبرى. الحل لم يكن في تغيير المنتج جذرياً، بل في إعادة تقديمه: التركيز على أثاث "ذكي" و"مرن" يمكنه تغيير وظيفته، مع حملات تسويقية تظهر كيف يمكن للعائلة الصينية الممتدة استخدام المساحة نفسها للطعام والترفيه والعمل. لقد تعلمنا من نجاح "كينتاكي فرايد تشيكن" (KFC) الذي حول نفسه في الصين إلى مكان عائلي يقدم وجبات إفطار صينية تقليدية مثل "كونجيه" (Congee) إلى جانب الدجاج المقلي. الدرس هنا هو أن التكيف يجب أن يلامس القيم الاجتماعية والسلوكيات الاستهلاكية الجوهرية، وليس المظاهر السطحية فقط.
في مجال عملي، أرى أن التحدي الإداري الأكبر هنا هو كيفية نقل هذه الرؤية الثقافية من قسم التسويق إلى كل أقسام الشركة، بما في ذلك خدمة العملاء والتطوير. الحل الذي ننصح به دائماً هو تشكيل "فريق تكيف محلي" قوي، لا يقتصر على الموظفين الصينيين، بل يضم أيضاً عناصر من الفريق الأجنبي الذي لديه فضول حقيقي لفهم الصين. كما أن الاستعانة بخبراء محليين في مرحلة مبكرة من التخطيط يوفر وقتاً وموارد هائلة. هذا النوع من الاستثمار في الفهم الثقافي هو ما يميز الشركات التي تبقى عن تلك التي تنسحب بعد سنوات قليلة.
الشراكات المحلية
لا يمكن المبالغة في أهمية اختيار الشريك المحلي الصحيح. هذا القرار قد يكون مصيرياً. الشريك ليس مجرد وسيط للتسجيل أو ترخيص، بل هو جسرك إلى فهم السوق، واللوائح، وشبكة العلاقات ("غوانشي" Guanxi) التي تشكل عصب الأعمال في الصين. عملت مع شركة تقنية ناشئة من الشرق الأوسط كانت تمتلك منتجاً رائعاً في مجال التعليم الإلكتروني. بدأوا بمفردهم، وواجهوا صعوبات لا تحصى في التعامل مع البيروقراطية المحلية وتوقعات المستخدمين. تحول مسارهم بالكامل عندما تحالفوا مع شريك صيني راسخ في قطاع التعليم، ليس فقط سهل لهم الإجراءات القانونية، بل ساعدهم في إعادة هندسة المنتج ليناسب نظام الامتحانات الوطني الصيني المعقد. لقد تحولوا من منافس غريب إلى جزء من النظام التعليمي.
من أخطائي المبكرة في هذا المجال، تعلمت أن الشريك الجيد هو الذي تكون مصالحه متوافقة مع مصالحك على المدى الطويل، وليس من يقدم وعوداً وردية في البداية. من الضروري إجراء العناية الواجبة (Due Diligence) بشكل متعمق، ليس فقط مالياً وقانونياً، بل أيضاً من حيث السمعة والقيم المؤسسية. أحياناً، يكون الشريك الأصغر ذو الخبرة المتخصصة أفضل من العملاق الذي قد لا تعطى مشروعك الأولوية الكافية. العلاقة مع الشريك يجب أن تبنى على الثقة والشفافية، وهذا يستغرق وقتاً وجهداً، ولكنه الضمانة الأقوى ضد المفاجآت غير السارة.
الامتثال التنظيمي
هنا حيث تظهر خبرتنا في جياشي بوضوح. الامتثال التنظيمي في الصين ليس نقطة ثابتة، بل هو هدف متحرك. القوانين واللوائح، خاصة تلك المتعلقة بالشركات ذات رأس المال الأجنبي، والحماية السيبرانية، وخصوصية البيانات، تتطور بسرعة. الشركات الناجحة هي التي تبني "مرونة تنظيمية" داخل هيكلها. لا تنتظر حتى يطرق المفتش بابها، بل يكون لديها فريق أو مستشار (مثلنا) يراقب التغييرات باستمرار ويعدل السياسات الداخلية مسبقاً. مصطلح مثل "القائمة السلبية" (Negative List) للاستثمار الأجنبي يجب أن يكون مألوفاً لأي مستثمر، وفهم تفاصيله هو ما يحدد مجالات الفرص والمحظورات.
تحدي إداري شائع هنا هو التنسيق بين المقر الرئيسي في الخارج الذي يريد تطبيق سياسات موحدة، والمتطلبات المحلية الأكثر تشدداً أو المختلفة. الحل الذي رأيته ينجح هو توطين إدارة الامتثال. بمعنى، أن يكون لديك مدير امتثال محلي في الصين يتمتع بسلطة حقيقية ويقدم تقاريره مباشرة إلى الإدارة العليا عالمياً، مع فهم تام للسياسات العالمية والمحلية. هذا يمنع فجوة الاتصال ويضمن الاستجابة السريعة. الشركات التي تعاملت مع الامتثال على أنه "تكلفة" وليس "استثمار" في الاستقرار والسمعة، وجدت نفسها في كثير من الأحيان تدفع ثمناً باهظاً من الغرامات أو تعليق العمليات.
التسويق الرقمي
السوق الرقمي الصيني هو عالم قائم بذاته. النجاح هنا يتطلب أكثر من مجرد حضور على "وي تشات" (WeChat) أو "ويبو" (Weibo). يجب فهم النظام البيئي الرقمي المتكامل. خذ مثال "لافازا" (Lavazza) الإيطالية للقهوة. لم تدخل الصين ببساطة كعلامة تجارية فاخرة، بل انغمسوا في منصات مثل "شياوهونغشو" (Little Red Book) للاستفادة من ثقافة "الزر" (种草 - زرع العشب، أي التوصية بالمنتجات) بين الشباب. أنشأوا محتوى يعلم كيفية تحضير القهوة في المنزل، ويتعاون مع مؤثرين محليين (KOLs) يظهرون أسلوب حياة مرتبط بالقهوة الإيطالية. لقد بنوا مجتمعاً، وليس قناة مبيعات فقط.
التحدي الذي يواجه المدير الأجنبي هو سرعة وتنوع المنصات الجديدة. ما ينجح اليوم قد يصبح قديماً بعد ستة أشهر. الحل هو تفويض السلطة للفريق التسويقي المحلي وتمويله بشكل كافٍ، مع التركيز على تحليل البيانات والمقاييس المحلية (معدل التحويل، التفاعل، إلخ) بدلاً من التمسك بالمقاييس العالمية وحدها. الابتكار في طرق الدفع والتسويق عبر البث المباشر (Live Streaming) أصبح أمراً لا غنى عنه. يجب أن تكون مرناً وجريئاً في تجربة قنوات جديدة، مع الاحتفاظ بقدرة تحليل سريعة لقياس العائد على الاستثمار.
إدارة المواهب
سوق العمل الصيني تنافسي للغاية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والتمويل. الشركات الأجنبية الناجحة لا تكتفي بتوظيف المواهب، بل تخلق ثقافة مؤسسية تجذبها وتحافظ عليها. ثقافة "العمل لساعات طويلة" (996) التي انتشرت في بعض الشركات المحلية ليست بالضرورة النموذج الذي ينجح مع الشركات الأجنبية. الموظفون الصينيون الموهوبون، وخاصة جيل الألفية (الميلينيلز) و Gen Z، يبحثون عن التوازن بين العمل والحياة، وفرص التطوير الوظيفي، وبيئة عمل تحترم الفرد وتشعرهم بأنهم جزء من قصة عالمية. شركة مثل "بوش" (Bosch) في الصين استثمرت بشكل كبير في مراكز التدريب والتطوير الداخلي، مما جعلها وجهة جذابة حتى مع المنافسة الشديدة على الرواتب.
من تجربتي، التحدي الإداري يكمن في كيفية دمج القيم المؤسسية العالمية مع توقعات الموظف المحلي. الحل هو الحوار المستمر والتكييف. على سبيل المثال، قد تحتاج إلى تعديل هيكل المكافآت ليشمل مزايا تلبي احتياجات محلية محددة، مثل مساعدة في سداد قروض السكن أو توفير رعاية أطفال ممتازة. تمكين القيادات المحلية وإعطاؤهم مساراً واضحاً للوصول إلى المناصب العليا في المجموعة العالمية هو أقوى حافز للاحتفاظ بأفضل المواهب. عندما يرى الموظفون أن جنسيتهم ليست عائقاً أمام التقدم، يولد ولاء وابتكار استثنائيان.
الابتكار للمحلي
"ابتكر من أجل الصين، وفي الصين" هو شعار انتقل من كونه خياراً إلى كونه ضرورة. هذا لا يعني التخلي عن الهوية العالمية، بل يعني تطوير منتجات وخدمات فرعية أو رئيسية تلبي احتياجات فريدة. "تسلا" (Tesla)، على سبيل المثال، أضافت ميزات ترفيهية محلية شائعة في سياراتها المباعة في الصين، وعدلت في تصميم شاشة اللمع لتتناسب مع تفضيلات المستخدم الصيني. بل ذهب بعض المصنعين الأجانب إلى أبعد من ذلك، حيث أنشأوا مراكز بحث وتطوير في الصين مخصصة للابتكار للسوق المحلي والعالمي، معترفين بالمواهب التقنية الصينية.
هذا يتطلب استثماراً وثقة من المقر الرئيسي. التحدي الإداري هو إقناع مجلس الإدارة العالمي بأهمية منح فريق الصين الموارد والاستقلالية للابتكار. الطريقة التي رأيتها تنجح هي بناء نماذج أولية سريعة (Prototypes) وعرض بيانات السوق المقنعة. عندما تثبت أن الابتكار المحلي يمكن أن يولد إيرادات ليس فقط في الصين بل قد يصدر إلى أسواق أخرى في آسيا، يصبح من السهل الحصول على الدعم. المرونة في سلسلة التوريد والتطوير هي المفتاح لتحقيق هذا النوع من الابتكار الموجه محلياً.
المرونة والاستجابة
أخيراً، وربما الأهم، القدرة على التعلم السريع والتكيف. السوق الصيني سريع التغير. ما ينجح في شنغهاي قد لا ينجح في تشنغدو. سياسة جديدة قد تغير قواعد اللعبة بين عشية وضحاها. الشركات الناجحة هي التي تبني آليات للاستماع المستمر للعملاء ومراقبة المنافسين والاستجابة السريعة. هذا يتطلب هيكلاً تنظيمياً مسطحاً نسبياً في العمليات المحلية، حيث يمكن للقرارات المتعلقة بالسوق أن تتخذ بسرعة دون المرور عبر عشرات المستويات في الخارج.
في عملي، أرى أن الشركات التي تعاملت مع التحديات على أنها "مشاكل" تختفي، بينما تلك التي تعاملت معها على أنها "دروس" تزدهر. على سبيل المثال، خلال جائحة كوفيد-19، الشركات التي سرعان ما عززت وجودها على منصات البث المباشر للتسوق والتواصل مع العملاء، ليس فقط نجت بل نمت. الاستجابة السريعة تعتمد على وجود فريق قيادة محلي مخول وواثق. هذا يعني أحياناً السماح بارتكاب أخطاء صغيرة كجزء من عملية التعلم، وهو ما يتطلب ثقافة مؤسسية داعمة من القيادة العالمية.
## الخلاصة والتطلعات المستقبليةفي نهاية هذا الشرح، أود التأكيد على أن التعلم من نجاحات الآخرين في الصين ليس عن نسخ الوصفة، بل عن فهم مبادئ الطهي. المبادئ المشتركة التي استعرضناها – التكيف الثقافي العميق، واختيار الشريك الاستراتيجي، والامتثال الاستباقي، وإتقان النظام الرقمي المحلي، وجذب المواهب، والابتكار المحلي، والمرونة التشغيلية – تشكل معاً إطار عمل قوياً لأي شركة أجنبية تطمح للنجاح. الهدف النهائي هو بناء شركة "غريبة-محلية" (Glocal) بامتياز، تحافظ على جوهرها العالمي بينما تعمل وتتنفس كشركة محلية.
التحديات المستقبلية، مثل التوجه نحو "ازدواجية الدوران" (Dual Circulation) والتركيز على الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، تخلق فرصاً جديدة للشركات الأجنبية التي يمكنها المساهمة في سلاسل التوريد عالية الجودة والابتكار التكميلي. رؤيتي الشخصية، من خلال مراقبة هذا السوق لعقد من الزمان، هي أن العقد القادم سيكون لمن يستطيعون الدمج بذكاء بين التقنيات العالمية والاحتياجات التنموية المحلية الصينية، في مجالات مثل الاستدامة والذكاء الاصطناعي التطبيقي والرعاية الصحية. ريادة الأعمال في الصين لم تعد مجرد بيع منتج، بل هي مشاركة في رحلة نمو وتطور الدولة، والفهم الدقيق لهذا السياق هو ما يصنع الفرق بين النجاح العابر والبقاء الطويل الأمد.
## رؤية شركة جياشي للضرائب والمحاسبةفي شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، نرى أن "التعلم من حالات نجاح الشركات الأجنبية" هو عملية منهجية ندمجها في خدمتنا الاستشارية. نحن لا نساعد عملائنا فقط في إجراءات التسجيل والامتثال الضريبي الروتينية؛ بل نعمل كجسر معرفي يربط بين الطموح العالمي والواقع المحلي. من خلال تحليلنا المستمر لسجلات النجاح والفشل في السوق الصينية، صممنا أطر عمل عملية تساعد المستثمرين الجدد على تجنب المزالق الشائعة وتسريع عملية تكيفهم. نعتقد أن الخبرة المكتسبة من الميدان هي الأصل الأكثر قيمة. لذلك، نشارك عملائنا ليس فقط بالنصوص القانونية، بل بالسياق والقصص والتجارب الحية التي شكلت مسار العديد من العلامات التجارية العالمية في الصين. هدفنا هو تمكين المستثمرين من اتخاذ قرارات مستنيرة، تحول التحديات المعقدة إلى فرص استراتيجية، لبناء مؤسسات مزدهرة وطويلة الأجل في واحدة من أكثر أسواق العالم ديناميكية.