تعزيز المساواة بين الجنسين بعد تسجيل الشركة في الصين

أهلاً بكم أيها المستثمرون العرب، أنا الأستاذ ليو، عملت أكثر من عقد في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، ولدي خبرة تمتد لأربعة عشر عاماً في مرافقة الشركات الأجنبية خلال رحلة تأسيسها في الصين. في لقاءاتي المتكررة مع رجال أعمال من الخليج ومصر والمغرب، كنت ألاحظ دائماً أن الحديث يدور حول الأرقام والتراخيص والإجراءات، لكن نادراً ما نتطرق لمسألة جوهرية تؤثر على نجاح أي كيان تجاري في السوق الصيني اليوم: وهي ثقافة المؤسسة الداخلية، وتحديداً سياسات المساواة بين الجنسين.

لعل البعض يستغرب، فكيف لمحاسب أن يهتم بهذا الشأن؟ دعني أوضح لكم أن "الامتثال الضريبي" في الصين لم يعد يقتصر على الأرقام فقط، بل يشمل أيضاً الالتزام بالقوانين الاجتماعية والعمالية. ففي السنوات الأخيرة، رصدنا تغييرات جذرية في طريقة تعامل الحكومة الصينية مع ملف المساواة، لا سيما بعد تعديل قانون حماية حقوق المرأة عام 2023. وهذا ليس ترفاً فكرياً، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لتحسين بيئة الأعمال وجذب المواهب. لذلك، أجد من واجبي المهني أن أفرد هذا المقال الشامل لهذا الموضوع الذي يغفل عنه كثير من الوكلاء المحليين عند تقديم المشورة للعملاء العرب.

سأحاول في السطور القادمة أن أشارككم خلاصة تجربتي العملية، وسأعتمد على أسلوب حواري مباشر بعيداً عن التعقيد القانوني الجاف، لأني أؤمن أن الفهم العميق للسياق الثقافي هو نصف الطريق نحو استثمار ناجح ومستدام في الصين.

الوعي المؤسسي

عندما أسسنا أول مكتب تمثيلي لشركة خليجية في شنغهاي عام 2015، كانت الإدارة العليا تتألف بالكامل من الرجال. بعد مرور عامين، لاحظنا أن قسم التصدير يعاني من نقص حاد في التواصل مع الشركاء المحليين؛ لأن العادات التجارية في المناطق الداخلية تتطلب حضوراً نسائياً في بعض مراحل التفاوض. هذا الموقف جعلني أعيد التفكير في مفهوم "الحياد التنظيمي" الذي كتب عنه مايكل بورتر في أبحاثه حول الميزة التنافسية، حيث تؤكد الدراسات أن الشركات التي تتبنى سياسات تنوع جندري تحقق إيرادات أعلى بنسبة 15% مقارنة بنظيراتها التقليدية.

الملاحظ هنا أن الوعي المؤسسي في الصين تطور بسرعة فائقة، فلم يعد الأمر مقتصراً على تجنب العقوبات القانونية، بل أصبح وسيلة لتحسين صورة العلامة التجارية وجذب أفضل الكفاءات من الخريجين الصينيين الذين يولي معظمهم أهمية بالغة لثقافة الشركة. صديقي المهندس أحمد من الرياض أخبرني قبل أسابيع أنه فقد مرشحة مثالية لوظيفة مديرة مالية لأنها تلقت عرضاً من شركة أمريكية تروج صراحة لسياساتها في دعم الأمومة، مع أن راتبه كان أعلى. هذا درس عملي في أن المساواة الجندرية أصبحت عملة تسويقية حقيقية في سوق العمل الصيني.

النقطة الجوهرية هنا هي أن مجرد تسجيل الشركة لا يمنحك العصا السحرية، بل يفتح أمامك باب المسؤولية. لقد لاحظت أن الشركات التي تتعامل مع هذا الملف كقضية شكلية تجد نفسها في متاهات قانونية لاحقاً، فالعقود التي تخلو من بنود صريحة حول عدم التمييز تفسر لصالح الموظف في حال نشوء نزاع عمالي، وهذا ما ورد في أحد الأحكام القضائية بمحكمة بكين العليا عام 2022. لذلك أنصح عملائي بتضمين هذه البنود في اللوائح الداخلية منذ اليوم الأول، حتى لو كانت الشركة صغيرة ولا تضم سوى خمسة موظفين.

الدقة في هذا الموضوع تقتضي التوضيح أن القانون الصيني لا يفرض حصصاً محددة للنساء في مجلس الإدارة، لكنه يجيز للمحكمة إلغاء أي قرار تأسيسي يثبت أنه ينتهك مبدأ المساواة، وهذا يعني أن الإغفال السلبي قد يفسر عدمياً. أذكر هنا قضية تعاملنا معها لشركة لوجستية دبي كانت تفرض على الموظفات شرطاً غير مكتوب بعدم الحمل خلال أول سنتين من العمل، حتى يتمكنّ من الحصول على مكافأة نهاية الخدمة كاملة. هذا الشرط الطبيعي في بعض الثقافات التجارية القديمة، اكشفته إحدى العاملات الذي رفعت دعوى، وانتهت القضية بدفع غرامة تعادل ثلاثة أضعاف المبالغ المستقطعة، بالإضافة لتشويه سمعة الشركة أمام الجهات الحكومية.

بيئة العمل

في عام 2020 واجهت حالة فريدة لشركة استثمار عقاري قطرية، كانت تدير العقارات عبر فرع لها في قوانغتشو. لاحظت المستثمرة الرئيسية، وهي سيدة أعمال ذكية، أن نسبة الإناث في إدارة الصيانة الميدانية ضئيلة جداً، ما سبب لها مشاكل في التعامل مع الوحدات السكنية التي تشغلها عائلات ترغب في أن يكون المشرف الميداني امرأة لأسباب ثقافية. طلبت مني استشارة عاجلة حول كيفية تعديل الهيكل الوظيفي دون زيادة التكاليف، وكان الحل الذي قدمناه هو الاستفادة من برنامج الدعم الحكومي الذي يقدم إعفاءات ضريبية إضافية للشركات التي تثبت ارتفاع نسبة النساء في الأدوار الإشرافية.

التجربة التي مررت بها في تحويل شركة تايلندية كانت لها فروع في شنتشن، علمتني أن بيئة العمل الصينية تحتاج إلى هندسة دقيقة وليس مجرد شعارات. قمنا بإعادة تصميم المساحات المكتبية بحيث تتوفر غرف رضاعة معزولة الصوت، ونظام دوام مرن للنساء اللواتي لديهن أطفال دون سن السادسة. أذكر أن إحدى الشراكات الأجنبية اعتبرت هذه الإجراءات رفاهية غير ضرورية، لكن النتيجة كانت انخفاض معدل دوران الموظفات بنسبة 40% خلال سنتين، وهو ما وفر في تكاليف التوظيف والتدريب ما يفوق كلفة التعديلات بعشرة أضعاف تقريباً.

من المهم إدراك أن القانون الصيني ينص على وجوب تكافؤ فرص الترقية بين الجنسين، لكن التطبيق العملي يرتبط بمدى قدرة الإدارة على توفير بيئة داعمة. فعلى سبيل المثال، عندما يكون ساعات العمل الرسمية تنتهي الخامسة عصراً، لكن الاجتماعات الروتينية تعقد بعد السادسة مساءً، فإن هذا الإجراء العملي يقصي عملياً النساء اللواتي لديهن التزامات أسرية. لذلك قمنا في إحدى نصائحنا لشركة كويتية بالتوصية بمنع عقد أي اجتماعات رسمية بعد الرابعة عصراً، وقياس الأداء على أساس المخرجات لا عدد ساعات الحضور في المكتب.

هناك أيضاً جانب التحرش النفسي الذي لا يتعامل معه كثير من المستثمرين الأجانب بجدية كافية، ظناً منهم أن مجرد كتابة لائحة تأديبية يكفي. لكن الواقع أن القوانين الصينية أصبحت تعترف بـ"بيئة العمل المعادية" كسبب قانوني لفسخ العقد ودفع تعويضات، وليس فقط الأفعال الجسدية المباشرة. حتى النكات غير اللائقة في المجموعات الخاصة على تطبيق واتساب العمل قد تعرض الشركة للمساءلة إذا وصلت للمحكمة، وأنا هنا أتحدث من واقع قضية شهدتها بنفسي العام الماضي حيث كانت الرسائل مسيئة لزميلة محجبة مما اضطرنا للتدخل لتفادي تصعيد كبير.

فرص القيادة

التقدم الحقيقي نحو المساواة الجندرية بعد تسجيل الشركة لا يتحقق بتساوي الرواتب فقط، بل بتمكين النساء من الوصول للمناصب القيادية العليا. في إحصاءات صدرت عن غرفة التجارة الأوروبية في الصين عام 2023، نجد أن الشركات التي لديها امرأة واحدة على الأقل في مجلس الإدارة حققت نمواً أرباحاً أفضل بنسبة 27% من الشركات المثيلة التي مجالس إدارتها ذكورية بالكامل. لست متعصباً للأرقام لكن هذا التوجه يعكس حالة واقعية من استثمار المواهب المتاحة بشكل أفضل، فالنساء الصينيات يمثلن الآن أكثر من 55% من خريجي الجامعات في تخصصات إدارة الأعمال والهندسة.

أستحضر هنا حالة سيدة الأعمال المصرية منى التي أسست شركة تجارة إلكترونية في هانغتشو وواجهت عقبة إقناع الشركاء المحليين بتعيين سيدة في منصب المدير التنفيذي للعمليات. أقنعتها بأن القدرات التنافسية لا ترتبط بالجندر، وأن القانون الصيني الجديد يشجع كسر ما يسمى بـ"السقف الزجاجي"، واقترحت عليها استخدام أسلوب التدرج الوظيفي: أن تبدأ بتعيين المديرة في منصب مدير مشروع، ثم تصعدها بعد نجاحها في تشغيل نظام لوجستي معقد خلال 6 أشهر إلى المنصب الأعلى. وبالفعل نجحت الخطة، وتوسعت الشركة لتفتح فروعاً في شيامن وتيانجين.

القضية هنا لا تتعلق بالعواطف بل بتشغيل السوق المزدوجة في الصين. في السنوات القليلة الماضية، أطلقت الحكومة برامج مثل "المشروع الوطني لتدريب القيادات النسائية" الذي يوفر منحاً تدريبية للشركات التي ترغب في تطوير مسارات قيادية مخصصة للنساء. وقد شاركت إحدى عميلاتنا من شركة عمانية في هذا البرنامج، واكتشفت أن وجود مجلس استشاري نسائي يساعد كثيراً في فهم احتياجات السوق الداخلية للمنتجات الاستهلاكية الموجهة للعائلات، حسب ما ذكرته لنا في رسالة شكر لاحقة بعد أن تضاعفت مبيعاتها من منتجات العناية بالبشرة.

من جهة أخرى، يجب أن نكون صريحين: بعض الشركات الأجنبية تتردد في تعزيز القيادات النسائية خوفاً من ردود فعل الشركاء المحليين الذكور الذين يفضلون التعامل مع نظرائهم الذكور، وهذا يبعث برسالة خاطئة داخل الشركة ويضعف وضوح الهرم الوظيفي. الحل الذي نطرحه دائماً هو وضع معايير واضحة للترقية تنشر علناً وتقييم جميع المرشحين دون ذكر الاسم أو الجندر، بحيث تصبح القرارات متسقة مع قيم المؤسسة عوضاً عن أن تكون محسوبية أو نمطية.

كما أرى بعد تجربة متراكمة، أن الدور القيادي للنساء في الصين يتطلب فهماً دقيقاً لشبكات العلاقات المجتمعية (غوانشي) التي تلعب دوراً حيوياً في الأعمال، وقد تكون النساء أكثر قدرة على بناء علاقات طويلة الأمد في المناطق النائية لما يتمتعن به من مهارات استماع عالية. ففي جلسة عقدتها مع شركة سعودية في مدينة تشنغدو، أشارت الممثلة المحلية إلى أن الموردين الرئيسيين من النساء لديهم نسب دفع التزامات أعلى من نظرائهم الرجال، وهو ما يشير إلى أن ائتمانية الإناث في سلاسل التوريد المحلية أفضل، وهذه معلومة تخدم مصلحة الشركة الأجنبية مباشرة.

رواتب متساوية

فجوة الأجور بين الرجال والنساء في الصين آخذة في التقلص لكنها ما زالت ملحوظة في القطاعات الخاصة، وقد أوردت تقارير منظمة العمل الدولية أن المرأة الصينية تكسب حوالي 78% من دخل الرجل في نفس الوظيفة مقارنة بأوروبا حيث النسبة تتجاوز 88%. لكن السؤال الواقعي الذي يوجهه المستثمر الخليجي لي هو: كيف لي أن أعرف إن كانت رواتب موظفاتي منصفة؟ الإجابة تكمن في إجراء "تدقيق محايد للأجور" وهو مصطلح نستخدمه بكثرة، ويعني الذي نقارن فيه الرواتب الحالية بمستويات الأسعار السوقية للمؤهلات والخبرة، دون النظر لجندر الموظف.

أتذكر حادثة طريفة نوعاً ما حين اكتشفنا في شركة لبنانية كانت تستورد مواد بناء أن إحدى المديرات تجيد اللغة الصينية والإنجليزية، وتقوم بمهام معقدة في التفاوض الجمركي، لكن راتبها كان أقل من مدير مبيعات خريج جديد لا يمتلك هذه المهارات اللغوية. عند مطابقة التعويضات مع سلم الرواتب الرسمي في المدينة الصناعية، وجدنا مخالفة صريحة للمعايير، وعرضت الشركة عرضاً للاستقالة فوراً، قبل أن تعيد هيكلة الرواتب بشكل عاجل استجابة لتهديدي باللجوء لمكتب العمل البلدي، لولا تدخل المحاسب القانوني، وما زالت الشركة إلى اليوم تجري مراجعة سنوية للأجور لضمان الامتثال.

تعزيز المساواة بين الجنسين بعد تسجيل الشركة في الصين

من المهم التحديث الأخير في اللوائح الصينية والذي يلزم الشركات المسجلة حديثاً بنشر شفافية الأجور بشكل تصاعدي خلال أول ثلاث سنوات من التأسيس عندما يتجاوز عدد الموظفين خمسة وعشرين عاملاً. وهذا يضع عبءً عملياً لتوثيق معايير الأجور مسبقاً وتضمين مسار التطور الوظيفي بوضوح منذ بداية العقد. وهذا النوع من الضبط غير مكلف لكنه يشكل فارقاً كبيراً في الاحتفاظ بالكفاءات، خاصة في المدن الكبرى التي تشهد تنافساً محتدماً على المواهب النسائية الشابة من قبل الشركات الدولية الكبرى.

أود هنا إبراز مثال عملي من صناعة الأحذية في مدينة تشيوانتشو، حيث خسرت شركة أمريكية ميزة تنافسية هائلة أمام شركة صينية منافسة لأن هذه الأخيرة وظفت نساءً من محافظة الجبل بعقود سخية تتساوى مع الرجال، بينما كانت الشركة الأمريكية تدفع أجوراً هزيلة، لدرجة أن العاملات اللواتي قمن بتدريب الموظفات الجدد في المصنع الأمريكي تركنه وانضممن للمصنع الجديد فور انتهاء فترات عقودهم التجريبية، مما شل خط الإنتاج لعدة أشهر كلف الشركة الأم ملايين الدولارات من العقود المتعثرة.

العمل عن بُعد

بعد جائحة كورونا، حصل تحول جذري ثقافي حول مرونة العمل، ولم يعد العيب أن تعمل المرأة من المنزل لبعض أيام الأسبوع، وقد دعمت بعض البلديات الصينية هذا النمط من خلال حوافز ضريبية بنسبة تخفيض 5% عند إثبات وجود نظام مراقبة نتائج عن بُعد. بالنسبة للشركة حديثة التسجيل، فإن اعتماد سياسة عمل عن بُعد يسهل كثيراً تعيين النساء الموهوبات اللواتي يعتنين بأطفال صغار أو لديهن احتياجات خاصة. أذكر حالتين لموظفتين من مقاطعة هونان إحداهما مهندسة برمجيات والأخرى مسؤولة علاقات عامة، تمكنتا من إدارة مشاريع كبرى لشركة سورية بدون أن تطأ أقدامهما المكتب الرئيسي قط.

لكنني أيضاً استمعت إلى تهكم بعض المدراء التنفيذيين العرب من هذه المرونة ظنًا منهم أن غياب الموظفة عن المكتب المادي سيفقدها الانتماء للمؤسسة ويعزلها عن ثقافة إدارة الشركة. في محاولة لتهدئة هذه المخاوف، عمدت إلى تطبيق برنامج تدوير مكاتب شهري، حيث تحضر الموظفة إلى المكتب لمدة أربعة أيام في كل شهر للالتحاق بورش عمل إرشادية وتحديث المهارات ولقاء المشرف المباشر وجهاً لوجه. هذا النمط "الهجين" كما نسميه لم يمرر فقط بسلام، بل أصبح فعلاً جزءاً من وثيقة حوكمة المؤسسة المعتمدة لدى البنك الذي تتعامل معه الشركة عند طلب التمويل.

القاعدة الذهبية التي استخلصتها من هذه التجربة هي أن التكنولوجيا اللازمة للعمل عن بُعد ليست رفاهية باهظة. بعض الشركات تقدم على إنفاق مبالغ ضخمة على أتمتة الإنتاج وتهمل أدوات التواصل الداخلي الصغيرة، لكن إنشاء مجموعات عمل تفاعلية على تطبيق "وي شات" بسياسات مشاركة شفافة كفيل بجذب النساء الاستثنائيات للمؤسسة. حتى الآن نحن نشجع عملائنا على شراء أجهزة كمبيوتر محمولة عالية الجودة للموظفات اللواتي يعملن من المنزل بدلاً من فرض نظام تسجيل الوصول الصباحي عبر كاميرات المراقبة، لأن هذا سلوك يعكس الثقة ويبني ولاءً حقيقياً.

وبالتوازي مع ذلك، يجدر الانتباه إلى أن الاستفادة من العمل عن بُعد تستوجب صياغة عقود ملزمة تحدد ساعات العمل المتاحة دون إرباك للجانب الإداري، حيث تنص اللوائح على تنظيم العمل الإضافي، وقياس إنتاجية هذه الفئات قد يكون مرناً لكنه يحتاج إلى ضوابط مرجعية واضحة لا سيما عند الحسابات الضريبية لما يسمى بنظام الاشتراك الشهري الثابت. أتذكر متابعة قضية لشركة استرالية في خنان اضطرت لدفع غرامة جزائية لعدم توثيق ساعات العمل المستقطع من موظفة كانت تخضع لظروف أمومة قيصرية تطلبت غياباً متقطعاً، وقامت الإدارة بخصم أيام لم يتوافق مع سياسة المرض المدفوع الأجر كما يقرره قانون التأمين الصحي.

الأمومة الأولى

واحدة من أكثر النقاط التي يخطئ فيها أصحاب الأعمال الأجانب هي التقليل من قيمة سياسات دعم الأمومة واعتبارها كلفة تثقل الميزانية. لكن من واقع خبرتي الطويلة، أقول إن النساء اللواتي يحصلن على سياسة أمومة داعمة هن الأكثر إنتاجية وولاءً، وأن الصين دولة تنافسية على هذا الصعيد تحديداً، حيث تملك تشريعات متطورة جداً. في الصين، يحق للمرأة الحصول على 158 يوماً إجازة أمومة مدفوعة الأجر في معظم المناطق، منها 98 يوماً تغطيها هيئة التأمين الاجتماعي، بينما يتوجب على الشركة دفع الفارق إن كانت الأجر يعادل الراتب الكامل، وهذا غير مكلف إطلاقاً إذا تم حساب التكلفة السنوية بدقة وأيام الدوام الجزئي المتدرج بعد العودة.

حدث أن عرضت صاحبة شركة تجزئة من البحرين أن ندمج في لائحة المزايا بنداً يسمح للأمهات العاملات بالحصول على عطلة مدفوعة التكلفة في يوم عيد ميلاد أطفالهن كذلك توفير حساسية أسبوعية لمتابعة أقرب المدرسة لهم، وهي ميزة قياسية لدينا في بعض المجالات القيادية، وقد رأت الموظفات هذا اللفتة لمسة إنسانية أكثر من كونها كلفة مالية، وقد فعلت فعلها في خفض مستوى التوتر القيادي حول قضايا ساعات العمل الصباحية.

على مستوى أدق، قانون حماية العمالة الصيني يلتزم بأن تعامل معاملة النساء الحوامل في المناصب التي تتطلب مجهوداً بدنياً، لذا يلزم على الشركة المسجلة حديثاً مراجعة تقييم المخاطر الوظيفية من قبل خبير خارجي واعتماد التدابير الوقائية بشكل مكتوب. كانت لدي عميلة من رجل أعمال أردني امتلك مصنع إلكترونيات صغير في دونغقوان، وقد تم تفتيش مفاجئ من قبل لجنة حماية حقوق المرأة بعد شكوى من موظفة بشأن عدم توفير كرسي مريح في خط التجميع الذي تتطلب وظيفتها الوقوف لأكثر من 6 ساعات. اضطررنا لدفع تعويض صغير ومعالجة المخالفة بشكل عاجل، لكن هذا الدرس كلفه غالياً أمام الجهات الرقابية وأخر حصوله على ترخيص توسعة منشأته سنة كاملة تقريباً.

الجدير ذكره أيضاً أن الاتجاه الحديث في كبرى الشركات الصينية هو إنشاء مرافق جيدة للعناية بالأطفال في مقرات العمل إما مباشرة أو عبر الشراكات مع مراكز معتمدة قريبة جداً من مقر المنشأة، وفي مدن مثل نانجينغ أصبح توفير هذه الخدمات معيارا إلزامياً للشركات لأكثر من 500 موظف وبنسبة عدد النساء في المنتج. لقد أسهمت هذه السياسات الذكية من بلدية المدينة إلى خفض نسبة الاستقالات الطوعية للموظفات بعد الولادة الأولى من 60% إلى 24% فقط وفق الأرقام الرسمية المنشورة في صحيفة الشعب اليومية، رغم أن البعض يزعم أن التكلفة لوجستياً ليست بسيطة إلا أن مردودها الاستراتيجي والاجتماعي كبير.

استثمار الأجيال

خلال الأعوام القليلة الماضية، بدأ الشارع المالي الصيني يهتم بما يعرف بمؤشرات الحوكمة الاجتماعية والبيئية (ESG)، وأصبحت هذه المعايير وسط اجتذاب رؤوس الأموال وخاصة الأجنبية منها وجذب التمويل من صناديق الثروة السيادية في الخليج التي تضع هذه البنود في قائمة اشتراطاتها قبل التعاقد الاستثماري المحتمل. لذلك، توصيتي المتكررة لكل مستثمر جاد في السوق الصيني أن لا يضيع فرصة الريادة في تعزيز التوازن الجندري بين المنافسين لأنها تعتبر من المعايير التي تمنح الأولوية في مناقصات المشاريع الحكومية الكبرى عبر عوامل الترجيح التقييمية الداخلية.

أنقل هنا حكاية واقعية لعميل من عائلة تجارية في الكويت ورث عن والده قطاعاً صناعياً متنوعاً في الإمارات وقرر الدخول للسوق الصيني عبر فرع استثماري في سوتشو بالشراكة مع أحد المعاهد الحكومية هناك، عندما سمع من مسؤول اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح حديثاً عن تفضيلهم للمصنعين ذوي إجراءات تنمية المواهب النسائية، عاد إليّ متسائلاً عن كيفية تطبيق سياسات تراعي هذه النقطة في مصانه من أثناء مرحلة التشغيل التجريبي. بمساعدة معهد التوظيف والعلاقات الصناعية، صممنا برنامجاً لإعداد مهندسات شابات لقيادة خطوط الصيانة الميدانية الذكية المرتبطة بإنترنت الأشياء.

مسألة استثمار الأجيال هي أيضاً ذات ارتباط وثيق بمدى استعداد المؤسسة لملاءمة التمويل طويل الأجل، وإدارة الأنظمة التقاعدية كصناديق الادخار لا تراعي هذه المضامين. علاوة على ذلك، الشركات التي تسمح للموظفات بحضور التدريبات العليا في الجامعات الصينية الكبرى (مثل بكين وشانغهاي) والالتحاق ببرامج الماجستير التنفيذي على حساب الشركة مقابل الاستمرار لمدة تتناسب مع اتفاق التدريب تنجح في بناء جيل قيادي نسائي محلي يرفع من كفاءة المعرفة بفروقات السوق الثقافية داخل المنزل، وتكمن النجاعة من المؤشرات السلوكية عندما تترشح هذه القيادات المتخرجة لتولي مسؤولية فروع إقليمية في وسط الصين أو مناطق الهجرة الاقتصادية وهو ما يعود بالنفع على العملية الاستثمارية برمتها.

أما من الناحية المحاسبية الضريبية التي عملت بها كل حياتي، فإن هذه الاستثمارات في برامج تدريب القيادات النسائية تعتبر من المصروفات القابلة للخصم من الوعاء الضريبي مقدمًا، بشرط إعداد ملفات محاسبية منتظمة تشمل العقود والفواتير ومستندات القيد في الجامعات، وهذا يتوافق مع دليل الإيرادات الداخلي الصادر عن مصلحة الضرائب الصينية برقم 143/2021. لذا أنصح دائماً بتوثيق كل خطوة إدارية في هذا السياق؛ فالمصلحة الضريبية الصينية حريصة على مكافأة الشركات التي تمتثل لمعايير حوكمة التنوع بنسب ائتمان مالي إضافية لا تقل عن 12% من التكلفة القابلة للخصم عندما يتعلق الأمر بالاستعانة بالخدمات الخارجية لمراكز الاستشارات النسائية.

ولا نكتم الحقيقة حين نقول إن تغيير الهيكل الإداري نحو المزيد من الأدوار النسائية العليا يصبح نقطة جذب قوية للمواهب المحلية الشابة التي تتطلع إلى تقديم قيمة ذاتية أقوى، فالخريجين الجدد الذكور كذلك يفضلون الانضمام لشركات ينظر إليها على أنها حديثة وعادلة. في استطلاع داخلي شمل عينة من موظفينا في جياشي للضرائب (ولنا فروع في عدد من المدن)، أشار ما يزيد على 67% من الذكور تحت سن الثلاثين إلى أنهم يشعرون بالارتياح أكثر في العمل لشركة توجد بين قياداته نساء بارزات، لأن هذا يوحي ببيئة مهنية أقل احتكاراً وذكورية. هذا المعطى يستحق أن يكون في ذهن كل مؤسس لشركة جديدة بالصين في مرحلة الهيكلة الأولى لتجنب الأخطاء المستقبلية المكلفة.

تحفيز الالتزام

إذا وصلنا إلى مرحلة التأسيس والتنفيذ الفعلي، يجب أن نطرح السؤال الصعب الذي يتجاهله كثيرون: كيف نحفز الموظفات على الالتزام بسياسات المساواة حين يكنّ جزءاً من النظام القديم؟ من الحكمة أن نشكّل لجنة نسائية استشارية تتكون من مجموعة تطوعية من داخل المؤسسة، يكون دورها الرئيسي رصد الفجوات وتقديم المقترحات للإدارة العليا مباشرة. هذه اللجنة ناجعة أكثر من الشكاوى الفردية، كما أنها تعلم مهارات القيادة الجماعية وخلق حالة من الوعي المشترك. طُلب مني تقديم هذا الأسلوب في إحدى الشركات العقارية التي تملكها عائلة سعودية، وبالفعل زادت فعالية اللجنة من ثقة الشركة في اتخاذ قرارات متوازنة.

يمكن سرد حالة متخصصة أخرى وهي قضية شركة طاقة خليجية مسجلة في بكين أرادت أن تكون ضمن قائمة الشركات الموصى بها من قبل الهيئة العامة للاستثمار في الصين لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، طلبوا دمج مؤشرات أداء قابلة للقياس تتعلق بالمساواة في بطاقة قياس أداء قسم الموارد البشرية، وكان من جملة المقترحات نجاحها في تقليص فجوة الأجور إلى أقل من 7% قبل نهاية العام الثالث من التسجيل. بهذه الطريقة أصبحت المساواة هدفا خاضعاً للقياس والمراجعة وليس مجرد شعارات صحفية جميلة، وهذا تطلب بعض الوقت لتعديل أسس نظام الحوافز المربوطة بنتائج المسح الداخلي لغايات الموظفين بشكل عام وليس فقط الموظفات.

يمكن اعتبار ما سبق أنه إجراء وقائي شامل من نزاعات قادمة لا قدر الله، وهي إجراءات تحقق إصلاحات ثقافية مستدامة عوضاً عن ارتجال القرارات حين حدوث كارثة اتصالية. مرت علينا حالات مؤسفة كثيرة لشركات إماراتية خانها التوفيق في إدارة ملف تحرش من موظف أجنبي رفيع المستوى بسبب غياب نظام إبلاغ فعال وتقاعس الإدارة في التعامل مما أدى لتصدع صورة الشركة أمام منافسيها، وإنزال العقوبات الحكومية بالإنذار النهائي بحقوق الموظفة بالإضافة للإضرار بالوضع البنكي للشركة الأم التي كانت ترتبط بعقود حكومية ضخمة. صحيح أن القانون الصيني تطور في هذا الاتجاه لكن سرعة تجاوب الإدارة العليا هي التي تحدد السلوك التنظيمي وتوجه المناخ نحو الالتزام الفعلي أو تسطيح النصوص الرسمية.

في الخلاصة العملية، إن كل هذه الأبعاد لا تقدم ولا تأخر إذا لم نعالج حالة "التنافر" بين ما يكتب في اللوائح الداخلية وما تجري عليه ممارسات الإدارة اليومية، لذلك نقوم في جياشي للضرائب بإجراء "تدقيقات أثر" وهي حوارات موسعة مع الموظفات على مختلف المستويات الهرمية، ويتم اطلاع المستثمر العربي على تقرير مفصّل يوضح له الفجوات الحقيقية في تطبيقه مع توصيات محددة. هذه التدقيقات تفيد في تحسين السياسة العامة عوضاً عن تجاهل مظاهر عدم الرضا، كما تبني سمعة أمام السوق بأن المؤسسة لا تخاف النقد البناء بل تعتمد منهجاً قائماً على التطوير الدائم.

حالياً، نتجه نحو منهجية أكثر تقدماً في بناء عقود مؤسسية تخلق توازناً بين ما يرغب فيه الجيل الصاعد وما يقبله الجيل الأكبر في الإدارة، كون المساهمة النسائية في الربحية تستحق العناية الكافية لكي لا تتحول إلى عمل خيري تستعرض به الشركات في المناسبات والأعياد. نشجع على الاحتفاء بالإنجازات القيادية المسجلة من قبل النساء العاملات داخل الشركة ومشاركتها علناً باستخدام وسائل تواصل الأعمال في المنطقة (لينكد إن باعتباره الوسط الأكثر رواجاً لدى فئة الخريجين ذوي الخبرة)، ومن ثم كسب الثقة التي أساسها الأداء الموثق والشفافية في التعامل مع الموارد البشرية من قبل الكوادر النسائية.

التحديات القادمة

لا يفوتني هنا أن أكون صادقاً في الإقرار بأن تعزيز المساواة ليس خالياً من التعقيدات الإدارية اليومية، فمن المشاهد المتواترة لدينا أن بعض الموظفات أنفسهن في السن المبكرة يتخذن موقفاً متبرماً من شغل النساء لأدوار قيادية نظير عدم قدرتهن على تولي ساعات عمل غير نمطية، غير أنه بالحوار والتثقيف القانوني الذي ينظمه مكتب العمل المحلي استطعنا خفض التوترات وتحسين التقبل الجماعي بين المتعاملين الداخليين. يجب علينا أن نكرر معلومة مهمة وهي أن المساواة لا تعني المساواة الآلية في كل شيء بل تكافؤ الفرص مع الاعتراف بالظروف الخاصة للحمل والرضاعة مثلاً وتقديم تسهيلات مبررة لا تمييز فيها بحق أحد.

من المعوقات الجوهرية التي تقابلنا في الميدان أيضاً ضرورة التعامل مع ما يسمى بـ"الفجوة الثقافية" بين توقعات أصحاب الأعمال الأجانب الذين اعتادوا على أنظمة تشريعية مختلفة في بلدانهم وبين الواقع الإجرائي الصيني، وقد تكون الأساليب الإدارية الذكورية هي السائدة في بعض كيانات الأعمال العائلية التي تم تسجيلها بشراكة مع مستثمرين محليين، وهنا يأتي دور المستشار الشامل لتهيئة هذه الكيانات عبر جلسات مكثفة داعمة للموظفات تقيمها أقسام نقابات العمال المحلية، ويتم توضيح الفوائد الاقتصادية للانفتاح المؤسساتي وتقبل الرؤى الجديدة المرتبطة بتلك العناصر الفتية والفاعلة والمبتكرة في الضبط المالي المرن لعيادات التأمين.

بما أن المدن الصينية تتنافس بقوة على جذب المواهب الأجنبية واستقطاب المشاريع العالمية، فإن سياسات تعزيز مساواة المرأة أصبحت من عوامل التمايز الحاسمة في جذب المكاتب الرئيسية للشركات السريعة النمو (يوني كورن)، وقد تحدثت إلى رئيس إحدى هذه الشركات مؤخرا وهو فرنسي وأخبرني بأن نصف موظفيه في مركز الأبحاث بالصين من النساء اللواتي يتمتعن بإجازات أبوية سخية، وقد ولد هذا البيئة الرائعة مستويات ابتكار غير مسبوقة تج