التوسع الجغرافي
أول ما يلفت الانتباه في السياسات الجديدة هو التوسع الكبير في المناطق الجغرافية المسموح للاستثمار الأجنبي بالعمل فيها. لسنوات طويلة، كان التركيز منصباً على المناطق الساحلية والمناطق الاقتصادية الخاصة، مع قيود صارمة على المناطق الداخلية والمناطق الريفية النائية. اليوم، الوضع مختلف جذرياً. تشجع السياسات الحالية الاستثمار الأجنبي على الانتشار في المناطق الزراعية الرئيسية في وسط وغرب الصين، مثل مقاطعات هيلونغجيانغ وخنان وسيتشوان. هذه المناطق تمتلك أراضٍ خصبة وموارد مائية وفيرة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة وإدارة السلسلة اللوجستية الحديثة.
أتذكر حالة عميل من الخليج العربي أراد الاستثمار في إنتاج الذرة عالي الجودة قبل خمس سنوات. في ذلك الوقت، كانت الخيارات محدودة جداً، وواجهنا صعوبات جمة في الحصول على موافقات لزراعة مساحات كبيرة في المناطق الداخلية. المشروع تأخر أكثر من عامين بسبب التعقيدات البيروقراطية المتعلقة بالموقع الجغرافي. بالمقابل، قمنا مؤخراً بتسهيل عملية مماثلة لمستثمر من شمال أفريقيا في مقاطعة هيلونغجيانغ، وكانت الإجراءات أسرع وأكثر سلاسة بشكل ملحوظ. هذا التحول يعكس إستراتيجية صينية واضحة لتحقيق توازن تنموي بين المناطق، ونقل المعرفة والتقنية إلى القلب الزراعي للبلاد.
الدليل على هذا الاتجاه موجود في وثائق سياسية عديدة، أبرزها "الدليل السلبي للاستثمار الأجنبي" المنقح لعام 2022، والذي أزال العديد من القيود الجغرافية عن مشاريع الزراعة الحديثة. كما أن خطط التنمية الإقليمية مثل "إستراتيجية تنشيط الريف" تخصص حصصاً وحوافز مالية للمستثمرين الأجانب الذين يختارون العمل في المناطق الأقل نمواً. الباحثون في الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية يشيرون في تقاريرهم إلى أن هذا التوسع ليس مجرد فتح للأبواب، بل هو جزء من خطة شاملة لربط المناطق الريفية الصينية بالأسواق العالمية وسلاسل القيمة الدولية.
تحرير القطاعات
الاتجاه الثاني والأهم هو تحرير قطاعات فرعية داخل الزراعة كانت محظورة أو مقيدة بشدة. القائمة السلبية للاستثمار الأجنبي، وهي الوثيقة التي تحدد المجالات المحظورة والمقيدة، شهدت تقليصاً مستمراً لبنود القطاع الزراعي. مجالات مثل تربية الأحياء المائية المتقدمة، وإنتاج البذور المهجنة عالية الإنتاجية، وتصنيع الأسمدة العضوية المتخصصة، أصبحت الآن مفتوحة بشكل كامل أو شبه كامل لرأس المال الأجنبي.
في خبرتي، كان مجال تكنولوجيا البذور من أكثر المجالات حساسية. قبل بضع سنوات، كنا ننصح العملاء بتجنبه تماماً بسبب القيود الأمنية. اليوم، الوضع مختلف. تدرك الصين أن الاعتماد على الذات في تكنولوجيا البذور يتطلب التعاون الدولي والمنافسة الصحية، وليس العزلة. هناك حالة واقعية أود مشاركتها: إحدى شركات الزراعة التكنولوجية الإسرائيلية (دعونا نسميها "أجريتيك") كانت تبحث عن شريك صيني لمشروع بحثي مشترك في مجال بذور الخضروات المقاومة للأمراض. التعقيدات القانونية كانت هائلة، خاصة فيما يتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا. العملية استغرقت ما يقارب 18 شهراً من المفاوضات والتراخيص، لكنها نجحت في النهاية، وأنشئت منشأة بحثية مشتركة في شاندونغ. هذا النجاح كان مستحيلاً في المناخ التنظيمي السابق.
التحدي الإداري الشائع هنا هو فهم التداخل بين لوائح وزارة الزراعة واللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح وهيئة الدولة للملكية الفكرية. كثيراً ما يقدم المستثمر طلباً بناءً على تعليمات جهة، ليكتشف لاحقاً أنه يحتاج موافقات من جهات أخرى لم يذكرها أحد في البداية. الحل الذي نتبعه في "جياشي" هو تشكيل فريق عمل متعدد التخصصات لكل مشروع، يضم خبراء في القانون الزراعي، وضريبة القيمة المضافة للسلع الزراعية، وأنظمة السلامة الحيوية. التأمل الشخصي من هذه التجارب هو أن التحول في السياسة حقيقي، لكن البنية التحتية التنظيمية لا تزال في طور اللحاق بهذا التحول، مما يخلق فجوة مؤقتة بين النية والتطبيق.
تبسيط الإجراءات
لا يقل أهمية عن تحرير القطاعات هو تبسيط الإجراءات الإدارية للحصول على التراخيص والموافقات. نظام الموافقة المسبقة للاستثمار الأجنبي خضع لإصلاحات جوهرية. العديد من المشاريع الزراعية التي كانت تتطلب موافقة على المستوى الوطني، تم تفويض صلاحية الموافقة عليها إلى الحكومات المحلية على مستوى المقاطعات أو حتى المدن. هذا ليس مجرد نقل للسلطة، بل تغيير في الفلسفة.
من واقع عملي، كانت إحدى أكثر العقبات إرهاقاً للمستثمرين هي الوقت الطويل الذي تستغرقه الموافقات المركزية، والذي كان يصل أحياناً إلى 12-18 شهراً لمشاريع متوسطة الحجم. اليوم، نرى مشاريع تحصل على "شهادة الموافقة" خلال 60 إلى 90 يوماً في مناطق مثل منطقة خليج قوانغدونغ-هونغ كونغ-ماكاو الكبرى. هذا التبسيط ليس شكلياً؛ فهو مصحوب بمنصات رقمية موحدة لتقديم الطلبات، وتوضيح للقوائم المطلوبة، ومواعيد نهائية واضحة للجهات الحكومية للرد.
تحدي عملي واجهناه كثيراً هو "مبدأ الحذر المفرط" لدى بعض الموظفين المحليين. حتى مع وجود سياسات واضحة، كان بعض المسؤولين يترددون في منح الموافقات لمشاريع أجنبية جديدة خوفاً من المسؤولية المستقبلية. الحل كان بناء علاقات ثقة طويلة الأمد مع هذه الدوائر، وتقديم ضمانات وخطط عمل مفصلة تزيل الشكوك. أحياناً، كنا ننظم زيارات ميدانية للمسؤولين إلى منشآت مماثلة ناجحة ليطمئنوا على جدية المستثمر وجدوى المشروع. هذه التفاصيل العملية هي التي تحول السياسة المكتوبة إلى واقع ملموس.
حوافز ضريبية
الجانب المالي والضريبي هو محرك رئيسي لأي قرار استثماري. السياسات الصينية الحالية تقدم حزمة من الحوافز الضريبية المصممة خصيصاً لجذب الاستثمار الأجنبي نحو الزراعة عالية التقنية والمستدامة. هذه الحوافز تتجاوز الإعفاءات العامة لتشمل إعفاءات أو تخفيضات في ضريبة دخل الشركات لفترات تصل إلى 5 سنوات، وإعفاءات من ضريبة القيمة المضافة على الواردات من الآلات والمعدات الزراعية المتطورة، واعتمادات ضريبية للإنفاق على البحث والتطوير.
هنا أود تقديم مصطلح متخصص مهم: "شهادة المؤسسة الزراعية عالية التقنية". الحصول على هذه الشهادة ليس سهلاً، فهو يتطلب استثماراً كبيراً في البحث والتطوير ونسبة معينة من الموظفين التقنيين، لكن مكافأتها كبيرة جداً. فهي تخفض معدل ضريبة دخل الشركات من المعدل القياسي (25%) إلى 15%، وتفتح الباب أمام منح حكومية إضافية. قمنا بمساعدة شركة هولندية متخصصة في الزراعة الدقيقة على الحصول على هذه الشهادة، وكان الفرق في العبء الضريبي وحجم التمويل الحكومي الذي أصبح مؤهلاً له عاملاً حاسماً في نجاح مشروعها التجريبي في الصين.
كخبير ضرائب، أرى أن هذه الحوافز ذكية ومباشرة. فهي لا تقدم "هبات" عامة، بل تكافئ السلوك الاستثماري الذي تريده الصين: الاستثمار في التقنية، والابتكار، والاستدامة. التحدي يكمن في التعقيدات الإجرائية للحصول على هذه المزايا. الوثائق المطلوبة دقيقة، ومعايير التأهيل قد تتغير. نصيحتنا الدائمة للعملاء هي إشراك مستشار ضريبي متخصص في مرحلة التخطيط الأولى للمشروع، وليس بعد البدء بالتشغيل، لضمان تصميم الهيكل القانوني والمالي للمشروع بشكل يحقق أقصى استفادة من هذه الحوافز.
دعم التكنولوجيا
قلب السياسة الجديدة يدق حول التكنولوجيا. الصين لا تريد فقط رأس المال الأجنبي، بل تريد بشكل خاص المعرفة الفنية، والخبرة الإدارية، والتقنيات الحديثة التي يمكن أن تقفز بالقطاع الزراعي إلى مستوى جديد. لذلك، نرى دعماً غير مسبوق للمشاريع المشتركة في مجالات مثل الزراعة الذكية (التي تعتمد على إنترنت الأشياء والبيانات الضخمة)، والزراعة العضوية، والتكنولوجيا الحيوية الزراعية الآمنة، وإدارة سلسلة التبريد اللوجستية.
الحالة الواقعية الثانية التي أشاركها هي مشروع مشترك بين شركة إماراتية وشركة صينية محلية في منطقة شينجيانغ. كان التركيز على بناء دفيئات ذكية تعمل بالطاقة الشمسية وتستخدم أنظمة ري بالتنقيط متحكم بها عن بعد. المشروع لم يحصل فقط على أراضٍ بأسعار تفضيلية، بل حصل أيضاً على منحة حكومية لتغطية جزء كبير من تكاليف البنية التحتية التكنولوجية. الدعم لم يكن مالياً فقط؛ السلطات المحلية سهلت إجراءات استقدام الخبراء الفنيين الأجانب وعملت كوسيط للتعاون مع الجامعات المحلية للبحث والتطوير.
هذا يعيدنا إلى جوهر التحول: الصين تنتقل من مفهوم "الأمن الغذائي الكمي" (إنتاج كميات كافية) إلى مفهوم "الأمن الغذائي النوعي والتكنولوجي". المستثمر الأجنبي الذي يجلب تقنية لرفع كفاءة استخدام المياه بنسبة 30%، أو تقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية، هو شريك إستراتيجي مرحب به أكثر من أي وقت مضى. التحدي هنا غالباً ما يكون ثقافياً وتقنياً: كيفية نقل التقنية وتوطينها مع حماية الملكية الفكرية. الحل الناجح، من خلال خبرتنا، يكمن في صياغة عقود شراكة وتقنية دقيقة للغاية، ووضع آليات واضحة لحل النزاعات، وبناء فريق عمل مشترك يدمج الكفاءات المحلية والأجنبية منذ اليوم الأول.
ضمان الاستدامة
أخيراً، لا يمكن فصل أي تحليل للسياسات الزراعية الصينية الجديدة عن بُعد الاستدامة البيئية. السياسات لم تعد تركز فقط على الإنتاجية، بل أصبحت تشترط أو تشجع بشدة اعتماد معايير صديقة للبيئة. المشاريع التي تتبنى ممارسات تحافظ على التربة، وتقلل من انبعاثات الكربون، وتدير النفايات الزراعية بشكل متجدد، تحصل على معاملة تفضيلية في الحصول على القروض من البنوك الحكومية، وتقييم أسرع للتراخيص البيئية.
هذا البعد يخلق فرصاً هائلة للمستثمرين من أوروبا وأمريكا الشمالية الذين يمتلكون خبرة طويلة في الزراعة المستدامة. الاستثمار الأجنبي الذي يضع خطة واضحة للاقتصاد الدائري في عملياته، مثل إعادة استخدام المخلفات الزراعية، سيجد أبواباً مفتوحة له. في بعض المناطق، بدأت الحكومة حتى في ربط حجم الأراضي الممنوحة أو مدة عقد الاستغلال بتحقيق أهداف استدامة محددة قابلة للقياس.
من الناحية العملية، قد يبدو هذا كلاماً نظرياً، لكنه يترجم إلى متطلبات حقيقية في تقارير تقييم الأثر البيئي (EIA). كنا نعمل مع عميل على مشروع لتربية الدواجن، ورفضت السلطات المحلية التصريح الأولي لأنه لم يقدم خطة كافية لمعالجة روث الدواجن. بعد إعادة التصميم لتضمين وحدة لتحويل الروث إلى غاز حيوي وأسمدة، تمت الموافقة على المشروع بسرعة، بل وحصل على تصنيف "مشروع زراعي نظيف" الذي يأتي مع إعفاءات ضريبية إضافية. هذا يظهر كيف أن السياسة توجه الاستثمار نحو نموذج أكثر مسؤولية وربحية على المدى الطويل.
## الخلاصة والتأملات المستقبلية بعد هذا التحليل المتعمق، يمكننا استخلاص استنتاج واضح: الصين تفتح باب الاستثمار الأجنبي في الزراعة بشكل استراتيجي ومدروس، وليس بشكل عشوائي. الهدف هو بناء قطاع زراعي حديث، مرن، مستدام، وقادر على ضمان الأمن الغذائي للأمة الأكثر تعداداً في العالم في عصر التغير المناخي وعدم الاستقرار الجيوسياسي. المستثمر الأجنبي لم يعد ضيفاً مرحباً به فحسب، بل أصبح شريكاً مطلوباً في هذه الرحلة التحويلية. الاتجاهات الخمسة التي ناقشناها – التوسع الجغرافي، تحرير القطاعات، تبسيط الإجراءات، الحوافز الضريبية، ودعم التكنولوجيا والاستدامة – تشكل معاً إطاراً جاذباً ومحفزاً. لكن، وكما رأينا من الحالات العملية، فإن الطريق لا يخلو من التحديات الإدارية والبيروقراطية والثقافية. النجاح سيكون من نصيب المستثمر الذي لا يقرأ السياسات فقط، بل يفهم الروح الكامنة وراءها، ويستعد لها بخطط عمل واقعية، ويحاط نفسه بفريق استشاري محلي خبير يعرف كيف يترجم الفرص النظرية إلى نجاح عملي على الأرض. التفكير التطلعي الذي أود مشاركته هو أننا ربما نشهد فقط البداية. مع نجاح الموجة الأولى من المشاريع المشتركة عالية التقنية، أتوقع مزيداً من التحرير، خاصة في مجالات مثل التجارة الإلكترونية للمنتجات الزراعية،