أهلاً بكم أيها المستثمرون العرب، أنا الأستاذ ليو. على مدى اثني عشر عاماً في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، وأربعة عشر عاماً أخرى في خدمات تسجيل الشركات الأجنبية، وقفتُ على كثير من التحولات في قطاع السياحة البحرية. لطالما كان الحديث عن "الاستثمار الأجنبي في الغوص" يدور في أروقة المكاتب، لكن ما لفت انتباهي مؤخراً هو تحول جوهري في طريقة تفكير المستثمرين الجادين. لم يعودوا يسألون فقط عن نسب الأرباح والتكاليف التشغيلية، بل بدأوا يسألون عن شيء أعمق: كيف نحمي الأصل الذي نعيش منه؟ هذا المقال ليس مجرد دليل إجرائي، بل هو خلاصة ما تعلمته من تجارب العملاء ومن واقع بيئتنا البحرية، لأن الشعاب المرجانية التي تجذب الغواصين إلى منطقتنا العربية هي بالفعل "رأس المال الأول" الذي لا يظهر في الميزانيات، لكنه يختفي إلى الأبد إذا أُسيء التعامل معه.

فهم الخلفية

لنتحدث بصراحة؛ الشعاب المرجانية في البحر الأحمر والخليج العربي ليست مجرد مشهد جميل تلتقط له الصور. إنها أنظمة بيئية بالغة الحساسية، ولها دورة حياة بطيئة جداً. في إحدى المرات، كان أحد عملائي من دولة خليجية يخطط لإنشاء منتجع غوص كبير على ساحل لم يتعرض للاستغلال من قبل. كنت متحمساً للمشروع من الناحية التجارية، لكن المستشار البيئي الذي أحضرناه أشار إلى أن التيارات البحرية في تلك المنطقة ستنقل أي ملوثات مباشرة إلى مستعمرات مرجانية عمرها مئات السنين. في تلك اللحظة، أدركت أن البيروقراطية البيئية ليست عائقاً، بل هي نظام إنذار مبكر يحفظ قيمة الاستثمار نفسه. فبدون الشعاب الحية، يتحول نشاط الغوص إلى مجرد نشاط "غطس في ماء ميت"، وهذا لا يبيع لأي غواص محترف أو مبتدئ في العالم العربي، فالجميع يبحث عن تجربة الحياة تحت الماء.

عندما أتحدث مع عملائي الجدد، أضرب لهم مثلاً بسيطاً: الشعاب المرجانية مثل مبنى سكني فاخر، كل مرجانة هي شقة مؤجرة لكائنات بحرية مختلفة، والأسماك الملونة هي النزلاء. إذا تكسرت هذه الشقق أو تعكرت مياهها، يرحل النزلاء، ويخسر المبنى قيمته الاستثمارية بالكامل. من الناحية العملية، الدراسات العلمية تؤكد أن؛ المناطق المرجانية التي تشهد نشاط غوص سياحي غير منظم تفقد ما بين 30% إلى 50% من تغطيتها المرجانية الحية خلال عقد واحد فقط. لكن المناطق التي تدار بمعايير حماية صارمة تحافظ على صحتها بل وتتحسن في بعض الأحيان، لأن وجود الغواصين المسؤولين يردع الصيادين الجائرين ويوفر مراقبة بشرية دائمة. إذن، "متطلبات حماية الشعاب المرجانية" ليست تكلفة إضافية، بل هي بوليصة تأمين طويلة الأجل على عائداتك التشغيلية، ومن لا يفهم هذا المعادلة، سيكون أول الخاسرين في السوق العربية التنافسية.

مع التوسع الكبير في الدعم الحكومي المحلي للسياحة الخضراء، وخاصة في رؤية المملكة العربية السعودية 2030، ورؤية الإمارات السياحية، أصبحت التراخيص البيئية شرطاً أساسياً لأي رخصة تشغيل إقليمية. لقد رأيت بعيني كيف تأخرت مشاريع واعدة لشركات لم تهتم بهذه التفاصيل، وكيف نجحت مشاريع أخرى متوسطة الحجم على الرغم من المنافسة الشرسة بسبب سمعتها البيئية الجيدة التي جذبت شريحة الغواصين الأوربيين الذين يدفعون أكثر لقاء الحفاظ على البيئة. فلنتجاوز مرحلة "هل نحتاجها؟" وننتقل إلى مرحلة "كيف ننفذها بذكاء تجاري؟".

تحديد مواقع النشاط

أول وأهم متطلب هو التقييم الدقيق لخريطة تحمل الشعاب المرجانية للنشاط البشري. لقد لجأ إليّ مستثمر من الكويت قبل عامين كان قد اشترى بالفعل قوارب غوص فاخرة ونقلها إلى مصر، ظناً منه أن أي نقطة ساحلية صالحة. لكن الحقيقة أن السلطات البيئية لديها سجلات دقيقة بمواقع الأضرار السابقة والمناطق المحظورة، وأدركنا بصعوبة أنه سيتعين علينا اختيار مرسى شمال رأس محمد على بُعد ميلين من مركز الغوص المقترح، وهذه المسافة الزائدة ستضيف وقوداً ووقتاً لكل رحلة. في رأيي، هذا هو الخطأ الأكبر الذي يقع فيه المستثمرون الأجانب؛ لأن التعامل مع البيئة يحتاج إلى "التخطيط العكسي"، أي نبدأ من قدرة الموقع، ثم نبني بعده حجم أسطولنا وعدد عملائنا اليومي، وليس العكس. ويجب الاستعانة بخبير بيئي متخصص في تقييم الأثر، وليس مجرد مهندس عام، ولا تتم أي أعمال كحت أو نصب للعائمات إلا بنماذج محاكاة معتمدة لمدى تحمل التيار الشعابي لتغييرات حركة الأمواج.

الواقع أن كثيراً من الجزر الاصطناعية والمرافئ الصغيرة التي بُنيت في العقد الماضي للاستثمار السياحي العربي لم تأخذ هذا البُعد، وبعضها سبب خسائر في مساحات مرجانية قريبة، فتغير لون المياه وقلت الرؤية، وهو ما لاحظه الزبائن والغواصون في تقييماتهم السياحية على الإنترنت بشكل سلبي. لذلك، يجب أن تشمل عملية اختيار الموقع، إعداد ما نسميه في الأعمال "خط الأساس البيئي"، وهي توثيق مصور وبيانات كيميائية للوضع الراهن قبل بدء العمليات. هذا الملف سيحميك من اتهامات مستقبلية بالتلوث، وسيساعدك أيضاً على قياس تأثيرك التراكمي بعد ثلاث سنوات. صديقي خالد مدير شركة غوص في العقبة يروي دائماً أن مفتش البيئة عندما زارهم أول مرة، تعجب من سجل القياسات الذي بدأوه قبل التشغيل بسنة كاملة، وقد ساعدهم هذا السجل في تجديد ترخيصهم الواسع لأربع سنوات مقبلة، بينما تأخرت تراخيص منافسين لهم بسبب غياب تلك البيانات.

بصراحة أقول إن الأموال التي تُصرف على إعداد تقارير الأثر البيئي الأولية في العادة، هي أقل من عُشر ما أنفقه بعض الشركات في دفع الغرامات والتدابير الإصلاحية لاحقاً. تذكر أن الشعاب المرجانية ليست ملكك وليست ملك الحكومة فقط، إنها أمانة بين الأجيال، والمستثمر الأجنبي الناجح يقدم نفسه كحارس مؤقت لهذا الموقع، ومن يدرك ذلك يحصل على دعم حكومي ويحصل على تسهيلات في التأشيرات الموسمية للغواصين، وهذه وفورات حقيقية لا يراها المستثمر العادي. وكان أفضل استثمار قمت به شخصياً لعميل في الساحل الشمالي المصري، هو إحضار خبير من جامعة جدة قبل التوقيع النهائي، وهذا الخبير اكتشف هجرة موسمية للسلاحف في هذه البقعة، وكان سيمنع بعض الرحلات في موسم معين، لكننا عدّلنا الموقع، والآن نشهد انتعاشاً في أعداد الغواصين المهتمين بحماية السلاحف، وهذا شريحة تجلب دخلاً أعلى من المتوسط، وهذا مثال حي على أن الحماية والتجارة وجهان لعملة واحدة.

من الأدوات العملية لتحديد المواقع استخدام الاستشعار عن بُعد وتقنيات نظم المعلومات الجغرافية التي تعطي صورة عن صحة الشعاب وحرارة المياه وحركة التيارات. ويستطيع المستثمر طلب دعم من الهيئات الأكاديمية المحلية، وغالباً ما تكون جاهزة بمساعدة الباحثين الشباب بأسعار رمزية لأنهم يبحثون عن تمويل لأبحاثهم، وكان لي عميل آخر صنع شراكة بحثية مع جامعة تعمل على متابعة نمو المرجان في منطقة عمله، وكان هذا نقطة قوة في ملفه التقديمي للحصول على اعتماد "الوجهة المستدامة" من المنظمات الدولية، الذي رفع نسبة حجوزاته عبر المنصات المتخصصة بنسبة كبيرة. خلاصة القول؛ إن اختيار الموقع ليس صفقة عقارية فحسب، بل هو تصويت لصالح ما ستبقيه الأرض حياً ومزدهراً، والمسألة الأساسية هي فهم أن خط الساحل وهمي جغرافي، أما منطقة الشعاب فهي امتداد وظيفي للمياه الذهبية التي تحددها عدة مختبرات متخصصة.

نظام الربط الحساس

ثاني المتطلبات، ويتعلق بكيفية تركيب الهياكل العائمة والمراسي في الأعماق. برأيي، هذا هو الجانب الهندسي الأكثر إغفالاً لأن المستثمرين يعتقدون أن الأمر مجرد حبال ووزنات. المحترفون الحقيقيون يعرفون أن نظام الربط التقليدي المنخفض الحركة هو العدو الخفي، لأنه عبارة عن سلاسل حديدية تسحب القاع وتخدشه مع كل موجة وحركة مد وجذر. رأيت بعيني مرة أثناء رحلة عمل إلى سواحل سلطنة عمان؛ أن مراسي القوارب في موقع دون حماية خلقت مساحة دائرية صحراوية حول المرساة، لا يوجد فيها أي مرجان أو قاع رملي بل صخور مكشوفة وطحالب ميتة. لذلك، يتطلب النظام السليم استخدام "مراسي الحلزون" أو "الموازين المغمورة" التي توضع بعيداً على عمق لا تؤثر فيه حركة السفينة على قاع الشعاب مباشرة، ثم تأتي الحبال المطاطية والأنظمة الطافية بين السفينة والمرساة، هذه الأنظمة تشبه قضيب التوصيل في سيارة حديثة، يمتص الحركة العنيفة ويمنع انتقالها إلى القاع الهش.

لكن لا يكفي أن تضع نظاماً ذكياً؛ يجب أيضاً أن تحدد عدد القوارب التي تشارك في المرساة الواحدة وفي المنطقة نفسها، بناءً على معايير فيزيائية يمكن محاكاتها. فلاحظنا في تجارب المنطقة العربية أن الازدحام هو السبب الأول للتكسير الميكانيكي للمرجان، حيث أن القوارب الكبيرة تولد أمواجاً جانبية تدفن الكائنات اللاطئة مثل الشعب المرجانية تحت طبقة كثيفة من الرسوبيات، ولهذا يعتبر عدد السفن الثابت في اليخت الواحد مصطلحاً يحسب له ألف حساب. وأتذكر عميلاً إماراتياً سعيداً، استثمر مبلغاً إضافياً قدره مئة ألف درهم في تركيب 25 مرساة بيئية دائمة في منطقته المخصصة، وعارضه شريكه في البداية معتبراً ذلك رفاهية، لكن في السنة الأولى وفر مبالغ أكبر في إصلاح الهياكل السفلية للقوارب وفي تأمين قواربهم من التقطع، وعلاوة على ذلك حصل على شهادة الخلجان النظيفة من مؤسسة الموانئ، ما فتح له أسواقاً جديدة في أوروبا لاحقاً.

هذا الجزء من المتطلبات، ولا يمكن أن يمر مرور الكرام؛ العمل على عمليات الصيانة الدورية لنظام الربط وجدولتها، يجب أن يكون متزامناً مع قياس متواليات الحمولة في المياه. لا نريد أن نصل إلى مرحلة ما بعد الحادثة التي تتطلب إخلاءً تجليدياً أو استبدال المساند؛ فالاحترافية تتطلب في عقود التشغيل الوطنية أن يكون التحقق البصري والأجهزة تحت الماء كل أسبوعين في الابتداء وشهرياً بعد الاستقرار. وعندي وجهة نظر شخصية أن مدير عمليات الغوص الذي لا يرتدي بدلة الغوص ويقوم بمعاينة مراسيه مرة واحدة على الأقل شهرياً، لا يفهم فعلياً الطبيعة التي يستغلها ويستفيد منها، هذه اللمسة الميدانية تكشف مشاكل الخطافات والألياف الضوئية المتهدلة، قبل أن تتسبب بجروح مميتة لبعض الثدييات البحرية التي تمر في المكان وتتشابك بها.

كما تجدر الإشارة أن أنظمة الربط الحساسة تتلازم مع تدريب إلزامي لكافة الطاقم البحري، وليس مجرد إرشادات في ورقة معلقة. إن العاملين على سطح السفينة هم أول حلقة في سلسلة الحماية، فإذا تعاملوا بعصبية مع قوارب النزهة العابرة أو نسوا استخدام العوامة، يقع الضرر. من خلال خبرتي في التراخيص المصرية، رأيت اشتراطهم لحصول كل قائد قارب على رخصة "المرشد البيئي المحدد"، وهذا الامتحان يشمل التعرف على أنواع الشعاب الهشة وكيفية عدم رمي المرساة إلا على الرمال العميقة، وليس مجرد شهادة شكلية، فمن يُكمل هذا التدريب دخله في منظومة الإدارة الحكومية ذاتها وكان له أولوية الحصول على تصريح القوارب الاحتياطية في المواسم القصوى، مما حسّن مرونة عملياتهم البدائية اللوجستية.

إدارة فضلات المياه

ثالث المتطلبات يعنى بإدارة مياه الصرف الصحي والسوائل الكيميائية على متن قوارب الغوص أو في منشآتك البرية. كثيراً ما يندهش المستثمرون حين أذكر لهم أن أخطر مصادر التلوث ليست المصانع الكبيرة القريبة، بل المليارات الصغيرة من قطرات الوقود ومياه التوازن ومواد التنظيف التي تلقى في عرض البحر يومياً. تخيل أن قارب غوص صغير يتسع لعشرة أشخاص ويخرج ثلاث مرات أسبوعياً، ما كمية المخلفات العضوية والمنظفات المستخدمة لتنظيف سطحه بعد العودة؟ في العادة تكون عالية، وإذا صُبّت مباشرة في البحيرة الضحلة، فإنها تغذي الطحالب الخيطية التي تخنق الشعاب المرجانية الحساسة بسرعة خلابة. الحل الأساسي هو امتلاك نظام مغلق لمعالجة المياه السوداء والرمادية، أو بمعنى أصح، خزانات استيعاب حرارية بسعات مهولة تسمح بإبقاء كل المخلفات على ظهر السفينة حتى تصل إلى محطة ضخ برية متخصصة، واستثناءات قليلة جداً يمكن بها إلقاء مخلفات معالجة في العميق بعيداً عن أي تشكيل مرجاني.

متطلبات حماية الشعاب المرجانية لأعمال الغوص البحري ذات الاستثمار الأجنبي

الصعوبة الحقيقية هنا ليست في التكنولوجيا، فهي معروفة المصادر ورخيصة التكلفة خاصة للقوارب حديثة البناء، لكن التحدي الحقيقي هو السلوك التطبيقي اليومي لأفراد الطاقم. لقد استدعيت مرة لفض نزاع بين شريكين في البحرين بسبب مخالفة بيئية تعلقت بإفراغ خزان المياه الرمادية في موقع محظور قرب المحمية، وتبيّن أن الخطأ سببه مشرف لم يكن قد حصل على أي تعليم بيئي منذ خمس سنوات، ولم يعتبر نفسه معنيّاً إلا بتشغيل المحركات. لذا، نطلب اليوم أن يكون هناك "ضابط حماية بحرية" من بين كل طاقم، مهمته توقيع سجل الإفراغ الصفري بالتاريخ والوقت وإحداثيات المكان عندما يفرغ الخزان في المحطة الساحلية، هذا السجل يجب أن يكون منظماً وسهل المراجعة في أي وقت، ويثبت السلوك الجيد عند الفحص البيئي الحكومي.

بالنسبة للمنشآت البرية المجاورة لموقع الغوص، قد نقول كلاماً قرأناه في أوراقنا المالية عن "الأثر البيئي"، لكن التصرف التنفيذي؛ ينبغي بناء أحواض الترسيب لفصل الرمال والزيوت قبل السماح لأي مياه جوفية بالخروج من حدود المشروع. في إحدى تجارب عملائنا في الساحل الشرقي للسعودية، أنفقت الشركة حوالي عشرة بالمائة من ميزانية البنية التحتية على نظام صرف صحي متقدم بزراعة نباتات الأراضي الرطبة التي تعمل كمرشح طبيعي للمياه الثقيلة، ورغم التكلفة الأولية العالية، إلا أنها تجنبت غرامة حكومية قاسية قد تصل إلى وقف العمل في أول خمس سنوات، والآن أصبح هذا النظام معلماً إعلامياً يفخر به ويستخدمونه في جولات تعريفية للزوار حول معايير الاستدامة لديهم.

كما أنه يجب إدارة التخلص من المواد الكيميائية الأكثر تعقيداً مثل مضادات الطلاء الطافية والمذيبات الصناعية، وهذه لا تخضع للتمييع، ويجب تخزينها ونقلها مع شركات مرخصة متخصصة فقط، وعدم الاعتماد على مزود البيتومين التقليدي. في إحدى الحالات، تفاجأ أحد عملائي من الإهمال، حيث أن عبوة من مخفف الطلاء كانت مخزنة تحت الشمس بجوار مواسير المياه العذبة، وفي عاصفة قوية انزلقت العبوة وسالت مادتها في تربة رملية نافذة، وأدى هذا الحدث إلى غلق المنطقة بأكملها لنشاط الغوص لمدة ستة أشهر، حتى أثبتت الفحوصات الجديدة زوال أثره المسرطن، وهذه خسارة لا تستحق أصلاً في عقلية أي رجل أعمال، فالحذر في التعامل مع هذه المواد أرخص بكثير من سمعتك ومستقبل التشغيل.

الثقافة السياحية

رابعاً: إعداد ومعسكرات التوعية المتكررة للزوار والغواصين أنفسهم. قد يبدو هذا المتطلب ناعماً وبعيداً عن عالم “التراخيص” و"الخطوط الملاحية"، لكنه فعلياً يعالج عنصر الاحتكاك المباشر الخطير بين الجسم البشري والشعاب المرجانية. أنا واثق أنكم رأيتم تصفح الغواصين المبتدئين الذين لا يملكون نظام التحكم في الطفو، فهم يلمسون المرجان بأقدامهم الزعانف وبالأيدي الممدودة لالتقاط الصور الذاتية، ويكسرون سنتيمترات من الكائن الحي بالرغم من أن الضرر قاتل لأن لمسة واحدة تقتل البوليبات وتعرض الهيكل الكلسي للأمراض والطحالب. يكمن الحل في ثقافة ومعايير صارمة لدخول المياه، على سبيل المثال إخضاع الزبائن لاختبار طفو حتمي في المياه المفتوحة بحضور مدرب، قبل السماح لهم بالاقتراب من منطقة الشعاب المسموح بها، وإذا أظهر البعض ضعفاً كبيراً في التحكم، يجب في اللحظة نفسها يتم نقلهم إلى مواقع تدريب على الرمال أو إلى تجمع أعماق ذات بيئة لا حساسية فيها.

نشاطنا في شركة جياشي أوصلني إلى حالة غريبة لشركة غوص أجنبية تعمل بميانمار وأرادت عقد تجاري مع مستثمرين عرب، فقيل في الدراسات إنهم يتخوفون من سمعة الغوص العربيه البرية والقاسية على الشعاب، فالنصيحة التي قدموها للشراكة لم تكن بشأن تخفيض السعر، بل تضمنت شرطاً أساسياً، أن كل الزبائن العرب الجدد الذين لم يختموا بشارة الغوص المتقدم يجب أن يرافقهم مرشد مخصص بنسبة فرد واحد لكل أربعة أشخاص الحد الأقصى. في البداية، رأيت بعض الزملاء ساخطين على هذا التقسيم العنصري في الرأي، لكن عند تحليل بيانات الحوادث والاصطدامات بالمقارنة، وجدت أن معظم الأضرار في الشعاب تتركز بفعل هؤلاء الغواصين الموسميين الجدد أكثر من أصحاب الخبرات الطويلة، فلذلك لا يتم منع المبتدئين، بل يُحدد طريق الغوص الأفضل والأكثر أماناً لهم، حيث توجد الرؤية الكاملة والرمال الظاهرة التي تسمح بالعمل على إتقان التقنيات الأساسية.

التثقيف ليس فقط حول "لا تلمس"، لكن يجب أن يتضمن فهم دور كل كائن في النظام؛ مثلاً؛ سمك الببغاء الذي يبدو مهيباً يقوم بقضم الطحالب التي قد تخنق الشعاب، وتكسير قواعد الرمال البيضاء في الشواطئ، لذا بعض الصيادين السياحيين يعتبرونه مكافأة طعام، لكن تركه في مكانه وعدم مطاردته سلوك سياحي متحضر. بهذه الطريقة يمكن للشركات الاستفادة من "تطبيقات المحيط التفاعلية"، حيث يقدمون جائزة رمزية لعملائهم الذين يرسلون توثيقاً فوتوغرافياً بوجود أنواع معينة من النجوم الشائكة الآكلة للمرجان، إذ أن هذه الأنواع تعيش عادة في المناطق الغنية فتساعدكم على مراقبة التوازن بعينها المحلية، وجميع ما سبق يصب في النهاية بميزة تسويقية هائلة تبرز هوية لمن يتميزون بأنهم حراس البيئة.

إن العاملين في صناعة الضيافة البحرية قد يعتبرون ندوات التوعية طولاً لا داعي له في روتين العمل المزدحم، لكن شركة صديقة من جنوب أفريقيا جربت أسلوباً مميزاً بطباعة “شعر الكابتن الودود" على ظهر قمصانهم الداخلية يشدد على أن البحار لوحة ممتدة تنتظر كل لمسة منا، وقاموا بمكافأة الغواص الذي يوثق على وسائل التواصل مقاطع تسجيلية يشرح فيها كيف شجع المجموعة ولم يعجبوه، وقد لاقى ذلك رواجاً جماهيريًا غير متوقع. يعني الأمر مجرد خيال؛ عندما يدرك السائح أنه ليس عميلاً يدفع بل سفيراً للمحيط عند عودته، وستتغير علاقته بهذا النظام البيئي من الاستغلال إلى المعايشة، وهذا ما لا تستطيعه أي جهة تنظيمية حكومية بمفردها.

المقاومة الإحيائية

خامس المتطلبات يعنى بإنشاء تدابير الطوارئ والمراقبة الدورية لصحة الشعاب المرجانية. حتى مع أفضل ممارسات الحماية، تبقى الشعاب عرضة لظواهر طبيعية قاهرة مثل "الابيضاض المرجاني" نتيجة إجهادات الحرارة، أو العواصف الترابية القادمة من الصحراء العربية، التي تخنق المياه بعوالق هائلة. المستثمر المسؤول يجب أن ينشئ نظاماً بيئياً خاصاً للمتابعة، وبحيث يتضمن وحدات تنظيف البحار من النفايات البحرية العادية التي تصل غالباً من بعيد، والتأكد من وجودها في منطقة عمله، ليست فقط لالتقاط الأكياس البلاستيكية العائمة بل أيضاً للتخلص من شباك الصيد الشراعية الوافدة أو معدات الصيد المفقودة التي تشكل مصيدة موت مستمرة لكائنات الشعاب على مر السنين.

أنصح بإجراء مسوحات علمية دورية للتغطية المرجانية، وهذا الإجراء يشبه الكشف الطبي السنوي للإنسان، قياس نسبة المرجان الحي، وأنواع الطحالب الممرضة، وعدد مجموعات الأسماك الإرشادية، بدقة إحصائية قياسية. وأتذكر بشكل شخصي أن إحدى الشركات المستثمرة لديها في منطقة الفجيرة، تلقت صدمة صباح يوم، حيث سجلت المسوحات الفصلية فراغاً في أعداد أسماك الببغاء، وبعد تحقيق سريع، نجد أن سفينة صيد صناعية أجنبية قد دخلت المياه الإقليمية ليلاً وجرفت كل شيء. لكن وما أن اصطاد بيانهم في المسوحات الدورية، حتى أبلغوا الهيئة البحرية التي قامت بمتابعة تلك السفينة المعتادة كما يعبرون قانونياً، إذن القياسات والأرقام هي ذراع مراقبة قانوني أكثر من كونها عملاً علمياً بحتاً، ولا يمكن تمييز التغير المتسلل من دون استبيانات أساسية ثابتة.

إضافة إلى ذلك، يجب تنظيم جولات تنظيف قاعية منتظمة بمشاركة موظفي الغوص والعملاء الطوعيين، فبعض أعشاب البحر الميتة وحطام عاكس الشمس التي يسقط أثناء الرحلة، إذا تركت داخل موقع الغوص تساهم في فيزيائية الأضرار واحتكاك البلاطات، لذلك يتم عادة تفريغ قاع المرسى كل أسبوعين من قبل مجموعة خاصة. الإجراءات الطارئة أيضاً تحتاج خطة لعزل جزء معين من البحر في حالة حدوث بقعة نفطية قريبة، وتفعيل وظيفة الحاجز الممتص للمواد العضوية قبل وصولها إلى المنطقة المحرمة، وهو مشابه للخطة الذهنية الموجودة في مصانع التكرير الكبرى، وهذا يتطلب تخزيناً دائماً في مختلف الظروف الجوية، وتدريب جيد وبعض النقاط غير الملموسة يبدو عادياً جداً لأشخاص البحر؛ مثل استخدام الشمع الطبيعي والنشارة في الامتصاص بدل المواد الكيمياوية الأشد أذية أقل ضرراً.

إذا كانت جميع نظم الإنذار الطبيعية تحتاج إلى تعقيد تقني، فلا عذر من الإهمال لأن وسائل الاتصال والتتبع الآن أصبحت في متناول اليد بسعر هزيل، حيث يمكن تركيب إشاراتٍ إلكترونية ذكية متصلة بشبكة قياس الحراة والملوحة والأكسجين داخل المنطقة مقل وذلك لاستشعار أي خلل سريعاً (على سبيل المثال تغيرات مفاجئة في ملوحة بسبب تجدد قنوات المصارف الرعدية)، ونظام تحويل البيانات على هاتف المشرف مباشرة. بهذه الطريقة تتحول العلاقة من مجرد أخذ مورد بلا مقابل إلى تفاعل عالمي معقد ومستدام، ويصبح لدينا فرصة أكبر بكثير لإنقاذ المنطقة من مستقبل الكارثي الذي يتربص بها.

الروابط المجتمعية

ثامن المتطلبات يشير إلى إضفاء الطابع المستدام على العلاقة بين الشركة والمجتمعات المحلية الساحلية وذلك لحماية الشعاب المرجانية في البيئة المحيطة. نعم، يمكن للمستثمر الأجنبي أن يبني شركته المتلألئة بجوار القرية الصغيرة، لكن إذا كان المجتمع المحلي يشعر بالتهميش أو يجهل قيمة هذا الساحل، فسيستمر الصيادون الجائرون وعمال تنظيف الشواطئ العشوائيون في أنشطتهم الضارة، بدون رادع حقيقي. لذلك أرى أنه يجب أن تتضمن استراتيجية المسؤولية المجتمعية للشركة برامج تدريب وتوظيف موجهة لصغار القرية والنساء، وهذا يرفع مستوى التعليم والثقة المتبادلة، وبالتالي يصبح المجتمع شريكاً استراتيجياً يحافظ على الكنز كمصدر دخل ويبلغ إذا شاهد أحدهم شاحنات تحمل مواد سامة قريبة من البحيرة، والقاعدة الأساسية أن الحماية الفعالة لا تتم عن طريق الجدران الفاصلة بل عبر تشكيل نواة من الناس المقتنعين بفوائدها.

على صعيد أمثلتي العملية هذه المرة؛ عندما لاحظنا أن عمال القرية يجمعون المحار والمرجان لغرض البيع في السوق المحلي، عمل الجانب المختص معنا على توظيف أحد هؤلاء الصيادين ليكون دليلاً أول على القوارب السياحية، لأنه أفضل من يعرف الشعاب ومخارجها، وقدم له مالاً أنظف وسمعة فائقة، ومن بعدها تحول هو نفسه إلى مراقب صارم للغواصين بإشرافه على عدم أخذ أي جزء صلب من الطبيعة كذكرى، وأصبح يشرح بنفسه للآخرين بأن عمر المرجان أطول من عمر الإنسان فليكفوا عن الجشع. هذا درس ذهبي في هندسة المصالح: حين نغيّر نموذج الربح القصير الأجل للأهالي، ننقل سلوكهم من الاستنزاف إلى الحفاظ، لأن الإحساس بالملكية يأتي من المشاركة في الاحتضان لا من مجرد الحدود الإدارية.

أنشأت بعض الشركات الرائدة في مصر برنامجاً لتبني المدارس حيث تأخذ الطلاب في رحلات تعليمية قصيرة لمراقبة الشعاب من خلال غواصة زجاجية أو قارب قاع زجاجي، وهذا له أثر مزدوج؛ إذ يخفف الضغط على الشعاب، لأنه لا يدخل في الماء ولا يلمس أي كائن حي، مع بناء ذاكرة بصرية وعاطفية تدوم فيهم لسنوات، وسوف ينشأ جيل كامل من المراسلين البيئيين، ويخلق هذا الاستثمار في البذور التعليمية وظيفة إضافية للقوارب في موسم الأجواء السيئة عندما يصعب نشاط الغوص، وبالتالي تحسين معدل استخدام الأصول الثابتة، وفي ذلك عائد مالي ملموس وراء نظرة الحنان.

إدارة العلاقات المجتمعية تحتاج كذلك لعمل بروتوكول أخلاقي مع منظمي الرحلات البحرية المجاورين، خاصة لو كانوا ينفذون رحلات صيد تقليدي بكميات تجارية قرب مناطق الشعاب، ويمكن في الإدارة المشتركة طلب تخصيص المنطقة الواقعة خارج حدود ثلاث أميال على الأقل كي لا تتعارض المصالح. لكن في البداية قد يبدو الأمر معادياً للبعض، لكن سوقنا تدريجيا يثبت أن شركات الغوص أصبحت تعمل على دعم بدائل الدخل الخضراء للصيادين؛ على سبيل المثال، المساعدة في تأسيس مشاريع تربية الأسماك غير المعتمدة على الشعاب، ما يخلق منتجاً أسمكياً لكنه لا ينافس الطعام المرجاني، وهذا النوع من الحلول التوافقية يحتاج عقول منفتحة وشخصاً يلمس نبض المجتمع، وإلا ستظل المتطلبات البيئية حبراً على ورق.

الخاتمة والاستشراف

في النهاية يا سادتي، نعود إلى نقطة البداية التي ذكرتها لكم؛ الحفاظ على الشعاب المرجانية هو واجب تجاري وبيئي في آن واحد، لا سيما للشركات الأجنبية العاملة في وطننا العربي، حيث تترقب المجتمعات أثراً إيجابياً يصنع الفرق، وليس فقط استخلاص الريع من طبيعة الآخرين. لقد شرحت لكم اليوم ستة متطلبات أساسية تبدأ بتحديد المواقع بانسيابية ولا تنتهي بتحويل السكان المحليين إلى حلفاء، وجميعها في جوهرها تستوجب منهجية الحوكمة الشفافة والمتابعة القياسية، وهذه ليست أموراً شكلية بل أدوات رفع للكفاءة التشغيلية وتقليل لهوامش خسائر، إذ أن قيمة الاكتتاب البيئي تعادل قسط التأمين في عالم الشركات القانونية الدولية، والفارق هنا أن قيمة الأصل الطبيعي لا تدخل في حسابات الميزانية التقليدية لذلك يصعب الحفاظ عليها لدى من ينظر للاستثمار عبر ربع سنة فقط. فمستقبل هذا القطاع في منطقتنا سيعتمد بالتأكيد على مدى تبنينا أنظمة إدارة متكيفة تتغير مع تغير الكوكب؛ مفهومنا القديم عن أن المحيط مصدر لا نهاية له أصبح فكرة متقادمة تماماً.

أفكر في المستقبل، أرى أن صناعة الغوص العربيه مقبلة على انقسام كبير بين كيانات تجارية متنافسة على السعر فقط، وأخرى ستدفع في توجه بيئي جذري وتخلق نادي قلة متميز ومستدام بيئياً؛ وسيكون رد فعل الجهات الحكومية أنه عبر سنوات مضت كانت تقارير الاستدامة مادة اختيارية، لكنها ستصبح اختيارية قريباً ضمن منح التراخيص وتضمين امتيازات للممتثلين في أنظمة الجمارك والتأشيرات ونسب الإشغال المسموح . وأنا من موقعي في هذا المكتب، أنصح كل مستثمر أجنبي ينوي الترشح لسوقنا، ألا يبدأ بأي عملية شراء إلا بعد أن يكون قد اجتم برؤساء حماية البيئة والمجتمع المحلي معاً، ويستمع بطريقة مباشرة للتحديات التي يواجهونها، وشخصياً مستعد لمساعدتكم في