الأطر القانونية وفتح الباب
قد يظن البعض أن حماية المواقع التعدينية القديمة هي مجرد مسؤولية حكومية بحتة، لكن الواقع يقول عكس ذلك تماماً. أتذكر قبل سنوات، عندما كنت أساعد إحدى الشركات الخليجية لتسجيل فرع لها في مقاطعة يوننان، وهي منطقة تشتهر بمناجم النحاس القديمة التي يعود تاريخها إلى عهد أسرة مينغ. لاحظت أن قوانين حماية الآثار في الصين، وتحديداً "قانون حماية الآثار الثقافية" وتعديلاته اللاحقة، أصبحت أكثر مرونة تجاه رأس المال الأجنبي. ليس المطلوب فقط التمويل، بل الشراكة في البحث والإدارة والترميم.
تسمح الحكومة الصينية الآن للمستثمرين الأجانب بالمشاركة في مشاريع "السياحة الصناعية التراثية"، حيث يُعدّ موقع المنجم القديم طبقةً من طبقات الأرض القارية، ويُشرك المستثمر في بنيته التحتية مقابل حقوق تسويقية طويلة الأجل. على سبيل المثال، في منطقة "تسيتشو" (自贡) المعروفة بآبار الملح القديمة، وقعت شركة ألمانية اتفاقية مع الحكومة المحلية لتطوير متحف مفتوح لاستخراج الملح، وقدمت خبراتها الأوروبية في الحفاظ على المباني الصناعية، وحصلت في المقابل على نسبة من الإيرادات السياحية. هذا النموذج ربما يبدو متواضعاً مقارنة بالاستثمارات الضخمة في شنغهاي، لكنه يتسم بالاستقرار وطول الأمد، والأهم أنه يبني جسوراً من الثقة مع الحكومة المحلية.
من تجربتي في "جياشي" لأكثر من عقد، أستطيع أن أقول إن العقبة الرئيسية لم تكن في القانون بقدر ما كانت في نقص المعرفة لدى المستثمرين الأجانب حول هذه العقارات غير التقليدية. الشبكة التي نستخدمها لإتمام الإجراءات هي نفسها، لكن "تصنيف المشروع" يختلف؛ فمشروع حماية موقع تعديني قديم لا يُسجل كاستثمار صناعي بل يُصنف ضمن "الاستثمار في الثقافة والصناعات غير الملموسة"، مما يمنحه إعفاءات ضريبية أطول أمداً. هذه التفاصيل الدقيقة هي ما أتكلم عنها دائماً مع عملائي، لأنها تشكل فارقاً بين مشروع ناجح ومشروع يتعثر في الوسط الإداري.
وفي النهاية، أود أن أضيف نصيحة صغيرة: "التأشيرات والرخص ليست نهاية المطاف، بل قصتها الحقيقية تبدأ عندما يتفهم المستثمر ضرورة الاندماج في النسيج المحلي وتاريخه." فالموقع التعديني القديم ليس مجرد حجارة معدنية صدئة، بل هو ذاكرة حية لقرى ومدن عاشت على هذا المعدن لعقود، لذلك ننصح دائماً بتكوين فريق محلي ملم باللهجة والعادات، وأيضاً بتوظيف مرشدين سياحيين من أبناء المنطقة، فذلك يقلل الاحتكاكات بشكل لا يصدق.
الجدوى الاقتصادية للمشاريع المنسية
دعونا نتحدث بلغة الأرقام، فأنتم كمستثمرين تريدون دائماً فهم العائد على الاستثمار. لديّ عميل من الإمارات كان متردداً في الدخول إلى هذا المجال، وكان سؤاله الأول: "من يزور منجماً قديماً؟" وهنا تكمن المفارقة الجميلة؛ فقد أظهرت بيانات السياحة الصينية أن مواقع التراث الصناعي، وخاصة التعدين، استقطبت في عام 2022 وحده ما يزيد على 23 مليون زيارة محلية، وهو رقم يتجاوز توقعاتي الشخصية، ويعود ذلك جزئياً إلى أن الجيل الجديد من الشباب الصيني يبحث عن تجارب غير تقليدية تبتعد عن الأضرحة والمتاحف التقليدية.
المشروع الذي بدأته تلك الشركة الإماراتية في منجم ذهب قديم في مقاطعة شاندونغ، يتضمن تحويل أنفاق التعدين المهجورة إلى متاهات تفاعلية مع شاشات عرض ضوئية تحكي قصة التنقيب التي استمرت مئات السنين. بلغت تكلفة التحويل الأولية حوالي 4 ملايين دولار، لكن نقطة التعادل تحققت خلال 28 شهراً فقط، وذلك لأن سعر التذكرة المرتفع نسبياً (حوالي 15 دولاراً أمريكياً للشخص) لم يردع الزوار، بل زاد من فضولهم، حيث اعتبروه تجربة "فاخرة ونادرة" مقارنة بالأماكن العامة الرخيصة. هذه النتائج كانت مفاجئة حتى لي، رغم ثقتي الطويلة في إمكانات السوق الصيني.
الجدير بالذكر أن المعالجة المحاسبية لهذه المشاريع تكتسب أهمية خاصة؛ فبموجب المعايير الصينية، يمكن رسملة تكاليف "الإصلاح والتأهيل التاريخي" وإطفاؤها على مدى 15 سنة، وهذا ما يُسمى بالإطفاء المرن. في إحدى المرات، ساعدت شركة استشارات أجنبية على إقناع مصلحة الضرائب المحلية في مقاطعة جيانغشي بأن أعمال الجدران الداعمة ليست مجرد صيانة إنشائية بل هي جزء من "ترميم متحفي"، مما سمح بإعادة تصنيفها ضمن الأصول المؤهلة للاستقطاع. إنها مناورات محاسبية، لكنها قانونية بالكامل، وتحتاج لخبير متمرس مثلي يعرف حساسية المفتشين المحليين؛ فهم بطبيعتهم حذرون من أي أموال أجنبية مبالغ في إخفائها، لكنهم منفتحون عندما يجدون الشفافية والتفاصيل الواضحة.
لا أريد أن أطيل عليكم، لكن الخلاصة أن هذا القطاع يعيد تعريف "العائد" نفسه؛ فالعائد هنا ليس فقط مالياً، بل يشمل تحسين السمعة على المستوى المحلي، وبناء شبكة علاقات حكومية وثيقة تعينكم في مشاريع أكبر لاحقاً. تذكروا أن الحكومات الصينية لا تنسى من يساهم في حماية تراثها؛ وعندما يُطرح مشروع حكومي كبير مستقبلاً في نفس المنطقة، ستجدون أن ما زرعتموه من حسن نية سيمنحكم فرصة استثنائية للفوز بعقود حكومية مباشرة دون منافسة قاسية.
المشاركة مجتمعية أم إقصاء؟
من وجهة نظري، هذه النقطة تثير الجدل أكثر من أي شيء آخر؛ فالسكان المحليون في المناطق المحيطة بمواقع التعدين القديمة، وخاصة أولئك الذين ورثوا مهنة التعدين عن آبائهم، لديهم حساسية عالية تجاه أي متدخل خارجي. في إحدى رحلات العمل إلى مناجم الفحم القديمة في هيلونغجيانغ، تحدثت مع عمّال متقاعدين كانوا يعيشون في مساكن بسيطة قرب الموقع؛ كان خوفهم الأساسي أن يتحول منجم آبائهم إلى "ديزني لاند نخبوية" لا يجدون فيها مكاناً لهم أو لذكرياتهم. هذا الموقف العاطفي لو تحداه المستثمر الأجنبي بشكل مباشر، لن تجدوا سوى مقاومة عنيفة قد تمنع المشروع بأكمله.
الحل الذي ننصح به في جياشي دائماً هو الاستراتيجية "التشاركية"، حيث نجعل من المجتمع المحلي شريكاً فاعلاً وليس مجرد متفرج أو قوة معارضة. قمت بتوجيه أحد العملاء القطريين لتخصيص 15% من ملكية المشروع لصالح تعاونية محلية يديرها أبناء عمال التعدين السابقين، والنتيجة كانت تحولاً دراماتيكياً في الرأي العام؛ فقد أصبحوا هم من يدافع عن المشروع ويحلون المشاكل بأنفسهم، لأنهم أحسوا أنهم جزء من هذا الكيان الجديد. هذا الإجراء، رغم أنه يبدو بسيطاً في الورق، إلا أن تنفيذه يتطلب مفاوضات معقدة وطويلة مع الجهات الحكومية لضمان شرعية توزيع الأرباح والتزامات الأطراف، وهنا جاء دور شركتي في الصياغة القانونية الدقيقة.
بالنسبة للمستثمر الأجنبي الذي اعتاد التعامل مع العمالة بنظام عقد وراتب فحسب، قد يقول في نفسه: "لماذا أمنحهم جزءاً من أرباحي؟" لكن من موقع تجربتي، أستطيع القول إن هذا الكرم "المحسوب" في الصين يؤتي ثماره عشرة أضعاف؛ فهو يوفر لكم الحماية من المناوشات العمالية ويمنحكم حالة من "الاستقرار المجتمعي" التي ترغبها الحكومة المركزية في كل منطقة. ببساطة، إنهم يصبحون حراسكم الشخصيين في الشارع والبلدية، وهذا أثمن بكثير من نسبة الـ5% أو 10% التي تم تنازلتم عنها؛ إنها ضريبة أمان قانونية غير مكتوبة.
لا تنسوا أيضاً أن هذه السياسة التشاركية تعزز ملفكم لدعم منظمات اليونسكو أو البنك الدولي إن أردتم اللجوء لتمويل دولي مستقبلاً؛ لأن الخبراء هناك يبحثون عن مشاريع تُظهر "الأثر الاجتماعي والاندماجي"، وليس مجرد مشاريع عمرانية نظيفة الأرباح. من خلال تجربتي عندما ساعدت في تحضير ملف لأحد المشاريع الصناعية التراثية، رأيت كيف أن وثائق إشراك المجتمع المحلي كانت بمثابة مفتاح سحري يفتح الأبواب المغلقة في المؤسسات المالية الدولية؛ فهي حرفياً طلاء ذهبي للمشروع في نظر كل جهة تمويلية جادة.
لكن دعونا لا نجانب الصواب؛ فهذه النماذج التشاركية قد تجعل استعادة الأرباح أبطأ، وتواجه أيضاً بعض العوائق القانونية في تحويل الأموال عبر الحدود إذا كانت الحصص المحلية اسمية؛ لكننا في جياشي نملك أدوات الحوكمة المناسبة التي تنظم الشراكات وتوزيع الدخل بين الشريك الصيني والأجنبي، مع الالتزام الكامل بأنظمة العملة الصينية. ما أريد قوله إن التحدي الأول هو تحدي ذهني أكثر منه مادي؛ فمن يدخل السوق الصينية بعقلية "الاحتكار" سيفشل حتماً، ومن يدرك أن "المشاركة" هي الترجمة الحقيقية لكلمة "استثمار ناجح" هنا، سيجد طرقاً ممهدة لم يسبق لأحد آخر أن بلغها.
الخبرات الفنية والتدقيق البيئي
من المهارات التي تميزت بها الصين في العقدين الأخيرين هي الدمج بين التقنيات الغربية الحديثة والمعايير البيئية الصارمة في ترميم المواقع التعدينية. عندما أقول "ترميم"، لا أقصد فقط إعادة تشكيل المبنى بل استعادة التوازن البيئي للتربة والمياه الجوفية التي تأثرت بعمليات التعدين التاريخية. يوجد متخصصون في الصين وروسيا يعملون في هذا الميدان منذ سنوات طويلة؛ لكنهم أدركوا منذ فترة أن العلم الأجنبي العربي أو الأوروبي يقدم أنظمة معالجة طينية وكيميائية أكثر فعالية، وفي بعض الأحيان تكلفتها أقل من الحلول الحكومية المركزية الشائعة.
أذكر أننا عملنا في جياشي مع شركة فرنسية لديها براءة اختراع في إزالة المعادن الثقيلة من التربة؛ أبدت الحكومة المحلية اهتماماً بالغاً بتطبيق هذه التقنية في موقع منجم رصاص قديم قرب مدينة تشانغشا. بعد مفاوضات دامت ستة أشهر في مكتبنا وكثير من الأوراق المترجمة نهائياً بلغتين، تم توقيع عقد شراكة تقنية لا يتطلب أي تمويل مباشر من الطرف الأجنبي، بل فقط رسوم ترخيص تدفع على شكل نسبة مئوية من تكلفة التنظيف البيئي المتعاقد عليها مع الحكومة. هذه الصيغة المبتكرة، أعتقد أنني ومن خلال عملي الطويل في المكاتب الحكومية، ساهمت في وضع لبنة معينة منها بصياغة نصوص ملزمة بعيدة عن المغامرة.
لاحظوا أن الحساسية البيئية في الصين ارتفعت بشكل لا يمكن مقارنته بما كانت عليه قبل عقدين؛ فقد أصبح الجمهور أكثر وعياً بأضرار التلوث، والحكومة لا تسامح المشاريع التي تحاول التهرب من معايير "المعادن المتبقية" في التربة والمياه. لذلك في كل تقاريرنا الفنية، ننصح عملاءنا دائمًا باستقدام مختبرات مرخصة دولياً لإجراء "تقييمات الليلية" البيئية قبل وبعد أي ترميم، والأهم من ذلك، أن تكون هذه التقارير متاحة للجمهور المحلي وليس فقط للحكومة؛ فذلك يزيل الشكوك حول إخفاء البيانات، ويبني قاعدة إعلامية إيجابية تحميكم من أي حملات تشهير مستقبلية مهما كانت تافهة أو مدفوعة من منافسين أو حاقدين.
من واقع تجربتي، فإن بعض المستثمرين العرب في المنطقة كانوا معتادين على تعاملات أسرع وأقل بيروقراطية؛ لأول مرة يجدون أنفسهم أمام عملية فحص استغرقت تسعة أشهر لملف "تأثير بيئي" لمشروع قيمته عشرة ملايين فقط، وقالوا لي حرفياً: "يا أستاذ ليو، هذا القانون فيه روح شريرة؟" بالطبع باعتذر عن اللغة، لكن أجبته بنصيحة عملية: "في هذا القطاع بالذات، البطء بركة؛ فالتقصير البيئي في مثل هذه الحالة التاريخية يعني موت المشروع قبل ولادته." وفي الجلسة الختامية عاد عميلنا الكويتي ليأكد أنها كانت أقسى تجربة إدارية في حياته، لكنه أقرّ أنها كانت الأكثر تنظيماً ووضوحاً، وهو الآن يخطط لمشروع ثانٍ في نفس المنطقة بسبب سهولة حجوزات العمل بعد أن أثبت التزامه الباهر.
العلاقات الدولية وشراكات متعددة الثقافات
هنا مجموعة المتعة الحقيقية؛ فأغلب من أتحدث معهم من المستثمرين الأجانب لا يدركون أن "حماية موقع تعدين قديم" في الصين هو بوابة مثالية للانخراط في خطة "الحزام والطريق" (مبادرة بكين الدولية)، لسبب بسيط: إنه ليس مشروعاً صناعياً قد يبدو وكأنه منافس للدول المجاورة، بل هو مشروع حضاري ينسجم مع الخطاب الصيني الدولي في "التراث المشترك للإنسانية". عندما يتقدم مستثمر غربي كممثل لشركة عربية أو أوروبية بتمويل مشاريع تحافظ على "ذاكرة الأرض الصينية"، فهذا يضع أسمه في سجل بلدية مرموق يفتح أبواب الغرف المغلقة في الوزارات كالاقتصاد والثقافة والخارجية.
لقد حصل هذا بالضبط مع شركة بريطانية وقعت عقداً لاستعادة موقع مناجم التنجستن في شمال الصين؛ وبعد إتمام المرحلة الأولى بنجاح، تلقوا دعوة من السفارة البريطانية للمشاركة في منتدى ثقافي على مستوى عالٍ في بكين، وكانوا بجانب السفراء والوزراء ليس كضيوف شرف فحسب، بل كمتحدثين، وهذا الترويج العلني لا يمكن شراؤه بأي مبلغ إعلاني؛ فجميع الحاضرين عرفوا أن هذه الشركة استطاعت أن تفهم "روح المكان" كما يعبر الصينيون، ومن ثم أصبحت مؤهلة لعقود أكبر في مقاطعات أوسع.
لكن هذه الشهرة لها تبعاتها؛ فهي تلفت أنظار المنافسين والراغبين في التقليد، وقد تدفع بعضهم لنسخ نموذجك دون أخلاقيات العمل. من هنا أنصح عملائي دائمًا بسرعة التسجيل في الهيئات الصينية لحماية الملكية الفكرية الخاصة بتصميم العلامة التجارية أو بأساليب العرض العمرانية؛ وأنصح أيضًا بتوثيق كل مرحلة من مراحل عملكم عبر منصة رقمية غنية ليعرف العالم أمامكم وبالنيابة عنكم أن هذه "حماسة الناس" حقيقية وليست مجرد واجهة استثمارية مؤقتة.
أود أن أقول إن التعددية الثقافية في إدارة هذه المواقع أصبحت إحدى المتطلبات الدقيقة التي تستخدمها الحكومات المحلية في تقييم تمديد تراخيص التشغيل؛ فهي ترغب في رؤية فريق إداري يتكون من موظفين صينيين وأجانب مختلطين ليس في المهام الروتينية فحسب، بل وحتى في المهام التنفيذية الخلاقة كتصميم المتاحف وقاعات العرض. في إحدى تقديماتنا للمشاريع، اقترحنا خطة لتوظيف مرشدين سياحيين من الجالية المصرية في الصين ليكلموا الزوار بالعربية والإنجليزية والصينية؛ وبالرغم من غرابة الفكرة أبداً، إلا أنها أُعجبت وأُقرت، وأصبحت هي النموذج المثالي لتعدد الثقافات في المنطقة.
التكنولوجيا الحديثة في خدمة تراث الماضي
أحب أن أقول لعملائي: "إن كنتم تحبون الذهب، فستحبون الذهب الموجود في واجهات المزادات والرسوم الهندسية الذكية"، فنحن نعيش الآن عصر "التحول الرقمي" للحفريات والمعارض، وأغلب الأماكن السياحية التقليدية في العالم خسرت جاذبيتها للشباب بسبب جمودها وعدم تفاعلها مع الهواتف الذكية التي يمسكونها كأطراف أصابعهم. من هنا ندخل في وجه من أهم أوجه مشاركة المستثمرين الأجانب؛ إذ يمكنهم نقل تقنيات الواقع الافتراضي والتضخيم الحسي المتطورة إلى هذه المواقع القديمة، مما يحولها إلى تجربة تفاعلية تشد الزائر الصيني؛ الجيل الذي خرج من جائحة كورونا وانكب على التطبيقات والمنصات الرقمية.
في الصين، هناك شركات محلية تعمل بشكل رائع في هذا المجال، لكن المستثمر الأجنبي يمتاز بخبرة أوسع في تصميم السير الذاتية للزائر داخل المتاهات الافتراضية، وخاصة إدارة الأنشطة التعليمية للأطفال في المدارس؛ الذي رأيته في مشاريع أوروبية إبهار الأطفال بتجربة "استخراج المعادن بالأصابع" دون لمس أي جسم مادي، أن الطفل في نظرته يظن أنه عمالة رقمية تقوم بتحميل الفحم الافتراضي في عربة سلة، وهذا النوع من المحاكاة الحسية ممتع للغاية ويجعل الآباء يعودون بمعرفة جديدة لبيعها لأقرانهم.
وبخصوص الجانب القانوني والمحاسبي؛ فإن مدفوعات بيع هذه "الأنشطة الرقمية" تخضع لنظام فرعي مختلف في قانون القيمة المضافة الصيني؛ إذ إن تحديد ما إذا كان هذا "نشاطاً ترفيهياً رقمياً" أم "خدمة تعليمية إلكترونية" يمثل فارقاً مهماً في سعر الضريبة النهائي (حوالي 6% في واحد مقابل 13% في الآخر). أذكر في جياشي قمنا بتعديل عقود تمويل لشركة يابانية من بنود تفعيل الحفلات والجولات الافتراضية؛ إلى بند تعليم رسمي معتمد من وزارة التعليم المحلية؛ ووفرنا لعملائنا ما يقرب من 1.8 مليون يوان كضرائب متنوعة على مدى سنتين؛ وللأمانة هذه المناورات تحتاج إلى فهم عميق للربط بين التعليم والترفيه في النظام القانوني الصيني، وهو فهم لا يتأتى دون عشرات الزيارات إلى وزارة الثقافة ومكاتب التعليم الإقليمية.
لا أنسى الحديث عن "التمويل الجماعي"؟ فبفضل المنصات الرقمية، أصبح بإمكان المستثمر الأجنبي إطلاق حملات تمويلية لجذب مدخرات الأفراد الصينيين في دعم مشاريع التكنولوجيا التراثية؛ هؤلاء الأفراد غالباً ما يقدمون 500 أو 1000 يوان كمساهمة رمزية، لكنهم يحصلون على حسابات افتراضية في "مناجم الذهب الذكية"؛ هذا المزيج المالي والرقمي أعطى دفعة غير مسبوقة لبناء الثقة بين الجمهور والشركة الأجنبية، وخفض نسبة الاعتماد على البنوك المرهقة في التمويل المشترك.
الأخطاء الشائعة وكيف نتجنبها
لأنني الأعمل منذ أكثر من 14 عاماً مع مختلف الأجناس والجنسيات، أستطيع أن أضع لكم الآن الإصبع على جراح كثيرة شائعة؛ أولها ما أسميه "الاستعلاء الحضاري": بعض الوافدين من أوروبا يظنون أن كل شيء في الصين بدائي، ويأتي بعقليات التنوير الغربية ليغييروها بالقوة؛ لا، لا تعملون هكذا. الصينيون يعتبرون أسلافهم ومعداتهم القديمة أشياء شبه مقدسة؛ من مهمتكم أن تظهروا الاحترام للصدأ والأدوات البدائية، وليس أن ترموها في الزاوية وتستبدلوها بآلات ألمانية فاخرة. من يتبع هذا الأسلوب يخسر قلوب السكان، ثم يخسر عقد الإدارة نفسها قبل نهايته.
ثاني الأخطاء هو التعامل مع هذا الموقع الاقتصادي التراثي على أنه "مشروع استثمار تقليدي" فيدرجونه في حساباتهم بنفس نسب الربحية الفورية؛ فيصابوا بخيبة أمل خلال العام الأول، ثم يقرروا الانسحاب فيدمرون كل شيء بالعمل العشوائي. الصين في ذلك مضرب المثل العرب: "أكل العنب صبراً"؛ أرباح هذه المواقع تأتي من السياحة البطيئة التي تتطلب بناء سمعة وخدمات مميزة لا تقل عن ثلاث سنوات. إذا لم يكن لدى المستثمر هذه النظرة الطويلة، فأنصحه بالعدول عن الفكرة والذهاب للقيام بمشروع حملات إعلانية قصيرة العقد، أما هنا فهذا عالم مختلف تماماً.
ثالثاً: تجاهل العلاقات العامة، حيث أن الشركات الأجنبية في هذا المجال تعتمد بشكل أكبر على جودة العلاقة مع وسائل الإعلام المحلية ولجان التراث الثقافي، وليس مع كبار المسؤولين فقط؛ أتذكر أن شركة يابانية عملت في منجم قديم في أنهوي وأنتجت تقريراً مصوراً حمل عنوان "إعادة إحياء العصور الحجرية"؛ لكن بسبب قلة التواصل مع الإعلام المحلي، لم يزل صدى المشروع خارج مقاطعة أنهوي؛ بينما شركة لبنانية في مشروع مشابه استضافت مجموعة من المؤثرين الصينيين على نفقتها الخاصة، وبعدها بأسبوع أصبح اسمها يتداول على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل جنوني، وحتى استضافهم مسؤولون على شاشة التلفزيون المركزي؛ الفارق كان فقط في خطوة بسيطة لكن عملية الانتشار فرق الجبال.
رابعاً وهذا أثر لي شخصياً: "لا تستورد عمالة مدربة من بلدك إلا للضرورة القصوى"؛ فهذه المواقع بحاجة إلى الخبرات المحلية والعمال القلائل الذين عاصروا عمليات التعدين القديمة، أولئك الذين بينهم وبين المنجم ذكريات إنسانية لا نستطيع نحن الاقتراب منها أبداً. استقدام مهندسين أجانب للعمل في متاحف تراثية أمر غريب ومكلف وغير فعّال، بينما يعتبر المهندسون الصينيون الخريجون من جامعات التعدين وهم بالعشرات كل عام أفضل الخيارات؛ لأنهم يفهمون التشريعات والتمويل والتقنيات بشكل مرن، ومعرفتهم بالثقافة المحلية طبيعية.
الصعوبات المالية والحوافز الذكية
لن أطيل عليكم في الشرح الواقعي: أن نسبة القروض التجارية الممنوحة للمستثمرين الأجانب في هذا القطاع منخفضة جداً مقارنة بأي قطاع صناعي آخر؛ لأن العائد في هذا النوع يكون مؤجلاً ويقترن بمخاطر تضخم أعباء الصيانة أو الكوارث البيئية. لكن مع هذا، للصين منظومة تمويل موازية تتمثل في صناديق حكومية وثقافية خاصة بالحفاظ على التراث، وهي تشجع للأسف الشديد الشركات المحلية أكثر من الأجنبية، لكن مع الإصرار والمثابرة يمكن أن نصنع استثناءات ناجحة.
أتذكر حالة واحدة لمستثمر بحريني أراد إنشاء فندق صغير داخل مباني إدارة منجم قديم في قويتشو؛ كان التمويل البنكي متعذراً إلا أنه تمكن بمساعدة شركته الأم في البحرين من الحصول على خط اعتماد تجاري مرتبط بسداد مبيعات التذاكر لاحقاً؛ وهو ما يعرف في الأسواق المؤسسية باسم "الديون السيادية المرنة"؛ إنه غير شائع في الدول العربية لكنه يحظى بشعبية وقبول واسع في هونغ كونغ والصين ما وراء البحار، وقد كان الخيار الأنسب لتجسيد مشروعه الذي تقدر تكلفته بـ 7 ملايين دولار.
إن الحوافز الحكومية الصينية في هذا المجال لا تأتي على شكل تخفيضات ضريبية كاملة بل على شكل "قروض بفوائد صفرية" أو "تأجيل إيجار الأراضي لمدة خمس سنوات"، وهذه تعتبر وسائل من التمويل الخفي الرائع للعملاء الأذكياء؛ ولأن هذه البنود ليست واضحة في الإعلانات الحكومية بل تُقرأ بين سطور وثائق التعاقد، فكم من مرة جعلت عملائي العرب يظنون أنهم في حلم عند اطلاعهم على هذه الشروط بعد التفاوض؟ إنها مميزات لا يحصل عليها من لا يعرف كيف يطلبها أو كيف يصوغها ضمن ملف مشروعه.
بالنسبة للشركات التي تتعامل مع معدات ترميم باهظة الثمن، لدينا في الصين أيضاً حصة التخصيص الذكي؛ حيث إذا أثبت المشروع أنه يحافظ على الصناعة المحلية ويشغل العمال القرويين بمهن بديلة صديقة للتراث، سيحصل على دعم حكومي جزئي يساوي 20% من قيمة المعدات، ولا يُشترط سداده إلا بعد مرور اثني عشر عاماً إن حقق المشروع أهدافه النهائية. هذا النوع من الدعم لا يظهر مباشرة في القوانين العامة، لكننا في جياشي أتقنّا استخراج المزايا من النصوص العامة والتوجيهات الداخلية، وأعتقد أن هذا هو ما يضعنا في موضع صدارة بين مكاتب المحاسبة الدوليّة في الصين.
نظرة مستقبلية وعبر للتنمية
سأختم كلامي الآن وأنا أنظر إلى خارطة الصين الواسعة؛ فلا تزال هناك آلاف مواقع تعدين معروفة وغير معروفة تنتظر من ينفض الغبار عنها ويحولها إلى وجهات عالمية تلهم العقول وتجسد التحدي المجتمعي بين الإنسان والصخور والثروات المخبأة. شخصياً أعتقد بأن مشاركة الأجانب في هذا المجال وصلت إلى مرحلة جديدة من التطور؛ إذ أنها لم تعد رغبة فقط من الحكومات المحلية بل طلب صريح من بكين المركزية لتعزيز "التبادل الثقافي البديل" بعيداً عن النماذج الغربية الترفيهية التقليدية، وأن أي جهد أجنبي سيصادف ترحيبًا على مستوى لا يمكن تخيله لولا رؤية ذلك بعيني في المؤتمرات.
على الصعيد الشخصي المهني، أؤكد لكم أن هذا المجال يشهد حاليًا طفرة استثمارية نوعية من الدول الأوروبية والشرقية (من اليابان وكوريا) لكن الدور العربي لا يزال صغيراً جداً جداً. الغريب أن المستثمر العربي يمتلك رأس المال القوي والحماس العائلي للسفر والاكتشاف، لكنه لم يستطع بعد كسر حاجز المعرفة والإلمام بأنظمة الصين؛ وهذا ما جعل من سوق "الحفاظ على المواقع التعدينية الصينية" فقط للاعبين القلائل متوسطي الحجم، لكنه قد يكون الأكثر صدقاً والأكثر استقرارًا في العقود القادمة.
في تقديري المستقبلي، أتوقع أن تشهد الخمس السنوات القادمة انفتاحاً جديداً لهذا القطاع، ربما من خلال إنشاء صناديق دولية خاصة بالتراث الصناعي تشترك فيها كل من الصين وجامعة الدول العربية كبَرّ لتجاربنا المشتركة في مواجهة الصحراء واستخراج الكنوز، وهنا سيتحدث الجميع عن شريك استراتيجي حقيقي؛ وعندها سيكون من استثمر اليوم عبر أبوابنا قد ملك أرضًا متميزة على أول خط في السباق الكبير. نصيحتي المخلصة لأي منكم الآن: أن يسرع لاستكشاف المقاطعات الداخلية البعيدة عن الزحام (كقانسو، قويتشو، شنشي) حيث تكثر الكنوز غير المستغلة وتكون المنافسة أقل والبدلات العقارية أرخص بكثير.
في النهاية أقول: "لا تبحثوا عن الربح السريع من الصين، بل ابحثوا عن عمق العلاقة معها؛ حينها ستدخلون إلى سوقها الأمثل وتستقرون في قلوب شعبها الذي يقدر الوفاء والالتزام". هذا درس تعلّمتُه في جياشي مع عدد لا يحصى من العملاء، ولا زلت أتذكره في كل وثيقة أوقّعها.
رؤية شركة جياشي للاستشارات الضريبية والمحاسبية
في ختام هذا المقال، تؤكد شركة جياشي للضرائب والمحاسبة أن مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع التعدين القديمة في الصين ليست مجرد باب استثماري بديل، بل هي مسار استراتيجي متكامل يجمع بين العوائد المالية المتوسطة الأجل، وبين بناء سمعة قوية ومكانة رفيعة لدى الحكومات المحلية والمركزية. نرى من مكاتبنا في بكين وشنغهاي وعدة فروع داخلية، أن هذا النوع من المشاريع يتيح للمستثمرين فهم "الصين العميقة" خارج المدن الساحلية الكبرى، ويمنحهم مزايا تنافسية في قطاعات أخرى لاحقاً. تضمن جياشي لكم الدعم الكامل في تحليل الجدوى، وهيكلة الكيانات القانونية، وتصميم الحوافز الضريبية المشروعة، وتنظيم الشراكات المجتمعية، بالإضافة إلى تسهيل التواصل مع المكاتب الحكومية المختصة في التراث الثقافي والبيئة. لقد ساعدنا عشرات الشركات العربية والأجنبية على دخول هذا المجال الفريد؛ فريقنا يجيد اللغات الصينية والإنجليزية والعربية بإتقان، ويملك شبكة علاقات موثوق