مقدمة: كنوز الطين
في عالم الاستثمار الدولي، قد يبدو الحديث عن "مواقع تقنيات صناعة الفخار القديمة في الصين" غريبًا أو هامشيًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة أحد أكثر المجالات إثارة للاهتمام التي صادفتها خلال 14 عامًا من خدمة الشركات الأجنبية في الصين. أتذكر جيدًا عام 2018 عندما جاءني مستثمر إيطالي شغوف بجمع الخزف الصيني القديم، وكان يبحث عن طريقة قانونية للاستثمار في ورشة فخار تاريخية في جينغديتشن، وقال لي بلهجته المميزة: "أستاذ ليو، أنا لا أريد شراء الفخار فقط، أريد أن أكون جزءًا من الحفاظ على الحرفة نفسها". هذه الجملة فتحت أمامي بابًا جديدًا لفهم كيف يمكن للمستثمرين الأجانب أن يشاركوا في حماية مواقع تقنيات صناعة الفخار القديمة في الصين، ليس فقط كمانحين ماليين، بل كشركاء في صون التراث الثقافي غير المادي.
الحقيقة أن الصين تمتلك أكثر من 300 موقع مسجل ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي المتعلق بصناعة الفخار والخزف، من مواقع يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث مثل موقع يانغشاو، إلى مواقع مشهورة عالميًا مثل جينغديتشن في مقاطعة جيانغشي، وييشينغ في جيانغسو، وشيوان في فوجيان. هذه المواقع لا تمثل فقط ذاكرة حضارية، بل تمثل أيضًا فرصًا استثمارية فريدة لمن يفهم قيمتها الثقافية والاقتصادية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن للمستثمر الأجنبي أن يشارك في حماية هذه المواقع دون أن يقع في فخ القيود القانونية الصينية الصارمة على التراث الثقافي؟ وكيف يمكنه تحقيق عائد معقول دون المساس بجوهر هذه الحرف القديمة؟
خلال سنوات عملي، اكتشفت أن مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع تقنيات صناعة الفخار القديمة في الصين ليست مجرد عملية مالية، بل هي منظومة معقدة من العلاقات الثقافية والقانونية والاجتماعية. تتراوح هذه المشاركة من التمويل المشروط للحفاظ على الورش التقليدية، إلى الاستثمار في مراكز التدريب على الحرف اليدوية، إلى تطوير نماذج سياحية ثقافية مستدامة. وفي هذا المقال، سأشارككم بعضًا من تجاربي الشخصية وحالات واقعية من الصناعة، مع تحليل متعمق لسبعة جوانب رئيسية لهذا الموضوع، وأتمنى أن يجد المستثمر العربي فيه ما يفيده في رحلته الاستثمارية في الصين.
الأطر القانونية
عند الحديث عن مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع الفخار القديمة، فإن أول ما يجب أن يفهمه المستثمر هو الإطار القانوني الصيني. قانون التراث الثقافي الصيني الصادر عام 1982 وتعديلاته اللاحقة يضع قيودًا صارمة على الملكية الأجنبية للمواقع الأثرية، لكنه في المقابل يفتح مجالات واسعة للمشاركة غير التملكية. بمعنى آخر، لا يمكن للمستثمر الأجنبي أن يشتري موقعًا أثريًا أو ورشة فخار مسجلة كتراث وطني، لكنه يستطيع أن يستثمر في شركات الخدمات الثقافية، ومراكز التدريب، والمشاريع السياحية المرتبطة بهذه المواقع.
في عام 2021، ساعدت مستثمرًا من الإمارات على تأسيس شركة ذات مسؤولية محدودة في جينغديتشن، كان هدفها تقديم خدمات استشارية للحرفيين المحليين وتطوير منتجات الخزف للتصدير. واجهنا في البداية تحديات كبيرة مع مصلحة التراث الثقافي المحلية، لأن القانون يشترط أن أي نشاط تجاري في مناطق التراث الثقافي يجب أن يحصل على موافقة مسبقة من الجهات المختصة. استغرق الأمر منا ستة أشهر للحصول على جميع التراخيص، لكن النتيجة كانت ممتازة: الشركة حصلت على وضع "مشروع دعم التراث الثقافي" مما منحها إعفاءات ضريبية جزئية وتسهيلات في استقدام خبراء أجانب.
النقطة المهمة التي أؤكد عليها دائمًا لعملائي هي أن القانون الصيني يفرق بين "حماية التراث" و"استغلاله التجاري". المشاركة الأجنبية في الحماية تكون دائمًا من خلال صندوق حماية التراث الثقافي أو عبر التبرعات المشروطة التي تدار بالتعاون مع السلطات المحلية. أما الاستغلال التجاري فيخضع لرقابة صارمة تضمن عدم تشويه الحرف القديمة أو الإضرار بقيمتها الثقافية. هذا التوازن الدقيق هو ما يجعل الاستثمار في هذا المجال مربحًا ومسؤولًا في الوقت نفسه.
من ناحية أخرى، هناك اتفاقيات دولية وقعت عليها الصين مثل اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، وهذه الاتفاقيات توفر غطاءً قانونيًا للمستثمرين الأجانب الذين يعملون في مشاريع الحماية. لكن المفتاح هو العمل مع محامٍ صيني متخصص في قانون التراث، لأن القوانين المحلية قد تختلف من مقاطعة إلى أخرى. شخصيًا، أنصح كل مستثمر أجنبي بالبدء بشراكة مع كيان محلي مسجل، لأن هذا يقلل المخاطر القانونية ويسرع الإجراءات الإدارية بنسبة كبيرة.
النماذج الاستثمارية
تتعدد نماذج مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع الفخار القديمة، وكل نموذج له مزاياه وتحدياته. النموذج الأول والأكثر شيوعًا هو الاستثمار في المراكز الثقافية، حيث يقوم المستثمر بتمويل بناء أو ترميم مركز يقدم دورات في صناعة الفخار التقليدي، مع الاحتفاظ بحق استغلال جزء من المساحة لمقهى أو متجر لبيع المنتجات. هذا النموذج نجح بشكل كبير في ييشينغ، حيث افتتح مستثمر فرنسي مركزًا لتعليم تقنيات "الطين البنفسجي" الشهيرة، وحقق عائدًا معقولًا خلال ثلاث سنوات فقط.
النموذج الثاني هو التمويل المشروط، حيث يقدم المستثمر الأجنبي تمويلًا لورشة فخار تقليدية بشرط أن تلتزم بمعايير معينة في الحفاظ على التقنيات الأصلية وعدم استخدام المواد الكيميائية الحديثة. هذا النموذج يحظى بدعم كبير من السلطات المحلية، لأنه يحقق هدفين: الحفاظ على التراث، وجذب الاستثمار الأجنبي. في عام 2019، ساعدت مجموعة من المستثمرين السعوديين على تمويل خمس ورش فخار في منطقة شيوان، وكانت النتيجة أن هذه الورش زادت إنتاجها بنسبة 40% مع الحفاظ على الجودة التقليدية.
النموذج الثالث هو الاستثمار في السياحة الثقافية، وهو نموذج مربح جدًا لكنه يحتاج إلى دراسة جدوى دقيقة. الفكرة هي تطوير مسارات سياحية تزور مواقع الفخار القديمة، مع تقديم تجارب تفاعلية للسياح مثل صنع قطعة فخار بأيديهم. هذا النموذج يتطلب شراكة مع وكالات سياحة محلية وموافقات من إدارة التراث الثقافي. أتذكر أن مستثمرًا كويتيًا استثمر في مشروع سياحي في موقع يانغشاو، وحقق عائدًا استثنائيًا في الموسم الأول، لكنه واجه مشكلة في إدارة التدفق الكبير للزوار، مما اضطرنا إلى إعادة هيكلة المشروع بالكامل.
النموذج الرابع والأكثر تعقيدًا هو الاستثمار في البحث والتطوير، حيث يمول المستثمر الأجنبي أبحاثًا علمية لتحليل المواد والتقنيات القديمة، بهدف تطوير منتجات حديثة مستوحاة من التراث. هذا النموذج يحظى بدعم جامعات صينية مثل جامعة تسينغهوا وجامعة بكين، لكنه يحتاج إلى صبر طويل لأن نتائجه لا تظهر قبل 3-5 سنوات. شخصيًا، أرى أن هذا النموذج هو الأكثر استدامة على المدى الطويل، لأنه يخلق قيمة مضافة حقيقية للحرفيين المحليين ويجذب شركات عالمية للتعاون.
التحديات الضريبية
لا يمكن الحديث عن مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع الفخار القديمة دون التطرق إلى التحديات الضريبية، وهذا مجال تخصصي الذي عملت فيه 12 عامًا في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة. المشكلة الأساسية هي أن المشاريع الثقافية غالبًا ما تصنف ضمن فئات ضريبية متعددة، مما يخلق ارتباكًا في المحاسبة والتقارير المالية. على سبيل المثال، إذا كان المستثمر يدير مركزًا ثقافيًا يبيع منتجات فخارية ويقدم دورات تدريبية، فإن الإيرادات تنقسم بين ضريبة القيمة المضافة بنسبة 13% على المنتجات، و6% على الخدمات التعليمية، وهذا يتطلب نظام محاسبي دقيق جدًا.
في عام 2020، واجه أحد عملائي من الأردن مشكلة كبيرة مع مصلحة الضرائب المحلية في جينغديتشن، حيث قام ببيع منتجات فخارية عبر منصة إلكترونية أجنبية دون تسجيل النشاط التجاري في الصين. تراكمت عليه غرامات كبيرة، واضطررنا للتفاوض مع السلطات الضريبية لتقسيط المبلغ. الدرس المستفاد: يجب تسجيل أي نشاط تجاري متعلق بالتراث الثقافي في الصين بشكل صريح، حتى لو كانت المبيعات تتم عبر الإنترنت أو خارج الصين.
التحدي الثاني هو ضريبة الدخل على الشركات الأجنبية، والتي تبلغ 25% بشكل عام، لكن هناك إعفاءات ضريبية للمشاريع التي تصنف كـ"مشاريع تشجيعية" في قطاع الثقافة. للحصول على هذه الإعفاءات، يجب على المستثمر تقديم ملف شامل يثبت أن مشروعه يساهم في حماية التراث الثقافي، وهذا يتطلب تعاونًا وثيقًا مع إدارة التراث الثقافي المحلية. في تجربتي، نسبة نجاح الحصول على هذه الإعفاءات تصل إلى 70% إذا تم إعداد الملف بشكل احترافي.
التحدي الثالث والأكثر تعقيدًا هو ضريبة التحويلات الدولية، حيث أن أي أرباح يحولها المستثمر الأجنبي خارج الصين تخضع لضريبة استقطاع بنسبة 10%، إلا إذا كانت هناك اتفاقية ضريبية مزدوجة بين الصين وبلد المستثمر. هنا أنصح دائمًا المستثمرين العرب بالتحقق من وجود اتفاقية ضريبية بين بلدهم والصين، لأن بعض الدول العربية لديها اتفاقيات ممتازة مع الصين، مثل الإمارات والسعودية ومصر. أتذكر أن مستثمرًا إماراتيًا وفر أكثر من 200 ألف دولار سنويًا بفضل الاستفادة من اتفاقية الضرائب المزدوجة.
المشكلة الشائعة الأخرى هي ضريبة الأراضي والمباني، خاصة إذا كان المستثمر يمتلك عقارًا في منطقة تراث ثقافي. في هذه الحالة، قد يحصل على إعفاء جزئي إذا أثبت أن العقار يستخدم لأغراض ثقافية غير ربحية، لكن الإجراءات معقدة وتحتاج إلى محاسب قانوني معتمد. في شركتنا، نقدم خدمة خاصة لهذا النوع من الإعفاءات، وقد ساعدنا أكثر من 30 مستثمرًا أجنبيًا على توفير ملايين اليوانات خلال السنوات الخمس الماضية.
الحفاظ على التقنية
الجانب الأكثر حساسية في هذا الموضوع هو كيفية ضمان أن مشاركة المستثمرين الأجانب لا تؤدي إلى تشويه التقنيات القديمة أو استبدالها بأساليب حديثة تجارية. هنا يلعب الالتزام بمعايير الحفاظ على التراث دورًا محوريًا. في الصين، هناك هيئة متخصصة تابعة لوزارة الثقافة والسياحة تسمى "المركز الوطني لحماية التراث الثقافي غير المادي"، وهذه الهيئة تضع معايير دقيقة لكل حرفة فخارية، من درجة حرارة الحرق إلى نوع الطين المستخدم إلى الأشكال المسموح بها.
في عام 2022، رافقت مستثمرًا قطريًا في زيارة إلى ورشة فخار تقليدية في منطقة شيوان، وكان متحمسًا جدًا لتطوير منتجات جديدة باستخدام تقنيات حديثة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد. نصحته بالتراجع عن هذه الفكرة، ليس لأنها غير مربحة، بل لأنها ستؤدي إلى فقدان الورشة لوضعها كـ"موقع تراث ثقافي غير مادي"، مما يعني فقدان الإعفاءات الضريبية والدعم الحكومي. بدلاً من ذلك، اقترحت عليه تمويل أبحاث لتطوير ألوان جديدة مستوحاة من التقنيات القديمة، وهذا ما حدث بالفعل وحقق نجاحًا كبيرًا.
التحدي الآخر هو نقل المعرفة بين الأجيال. العديد من الحرفيين القدامى في الصين لا يريدون مشاركة أسرارهم مع أجانب، وهذا حقهم الطبيعي. لكن المستثمر الأجنبي الذكي هو من يبني علاقة ثقة طويلة الأمد مع هؤلاء الحرفيين، وليس من يحاول شراء أسرارهم بسرعة. أتذكر أن مستثمرًا عمانيًا قضى ثلاث سنوات في بناء علاقة صداقة مع حرفي مشهور في ييشينغ، وفي النهاية وافق الحرفي على تدريب فريق من الشباب الصينيين برعاية المستثمر، وهذا النموذج يعتبر اليوم من أنجح نماذج الحفاظ على التقنية.
من الناحية العملية، أنصح كل مستثمر أجنبي بأن يتعاقد مع خبير محلي في التراث الثقافي ليكون مستشارًا للمشروع. هذا الخبير يعرف التقنيات الأصلية ويعرف كيف يوازن بين الحفاظ عليها وتحقيق الربحية. في شركتنا، لدينا قائمة بأسماء هؤلاء الخبراء في مختلف المقاطعات الصينية، وقد ساعدنا العديد من المستثمرين العرب على التعاقد معهم. التكلفة معقولة جدًا مقارنة بالفوائد التي يحققها هؤلاء الخبراء في حماية المشروع من الأخطاء القانونية والثقافية.
دراسات حالة
دعني أشارككم ثلاث حالات واقعية من عملي، لأن التجربة العملية أفضل من أي نظرية. الحالة الأولى: مستثمر من البحرين يدعى "أحمد" (سأستخدم اسمًا مستعارًا) جاءني عام 2017 وهو يرغب في الاستثمار في موقع فخار قديم في مقاطعة فوجيان. بدأنا بدراسة الجدوى، واكتشفنا أن الموقع لديه إمكانات كبيرة لكن البنية التحتية ضعيفة. استثمر أحمد 2 مليون دولار في ترميم الورشة وبناء مركز زوار، وحصل على حق استغلال تجاري لمدة 20 سنة. اليوم، هذا المشروع يحقق عائدًا سنويًا يصل إلى 15%، وأحمد يقول لي دائمًا: "أفضل قرار في حياتي كان الاستثمار في تراث الصين".
الحالة الثانية: مجموعة من المستثمرين المصريين أرادوا الاستثمار في تدريب الحرفيين الشباب على تقنيات الفخار القديمة. واجهوا مشكلة أن القانون الصيني يشترط أن يكون المدربون من حملة شهادات معتمدة من إدارة التراث الثقافي، وهذا ليس متاحًا للجميع. قمنا بتنظيم دورة تدريبية خاصة بالتعاون مع جامعة محلية، وحصل المدربون على الشهادات اللازمة. هذا المشروع لم يحقق أرباحًا كبيرة في البداية، لكنه أصبح اليوم من أكبر مراكز تدريب الفخار في المنطقة، ويستقطب متدربين من جميع أنحاء العالم.
الحالة الثالثة والأكثر إثارة: مستثمر سعودي اشترى مجموعة نادرة من الفخار القديم في مزاد علني في هونغ كونغ، ثم قرر إعادتها إلى الصين لاستخدامها في متحف خاص. واجه مشكلة قانونية لأن القانون الصيني يمنع تصدير القطع الأثرية المسجلة، لكنه يسمح باستيرادها وإعادة بيعها داخل الصين. ساعدته في الحصول على تصريح خاص من إدارة التراث الثقافي لإنشاء متحف خاص، واليوم هذا المتحف يحقق دخلاً كبيرًا من تذاكر الدخول وبيع النسخ المقلدة. الدرس هنا: كل تحدٍ قانوني يمكن تحويله إلى فرصة استثمارية إذا فهمت القواعد جيدًا.
هذه الحالات الثلاث تعلمت منها أن النجاح في هذا المجال لا يعتمد على رأس المال فقط، بل على الفهم العميق للثقافة الصينية والقوانين المحلية. المستثمر الأجنبي الذي يأتي بعقلية "الربح السريع" سيفشل حتمًا، أما من يأتي بعقلية "الشراكة طويلة الأمد" فسيحقق نجاحًا يفوق التوقعات. شخصيًا، أرى أن المستثمرين العرب لديهم ميزة نسبية في هذا المجال بسبب احترامهم العميق للتراث والثقافة، وهذا ما يفتقده بعض المستثمرين الغربيين الذين ينظرون للأمر كمجرد فرصة تجارية.
الشراكات الذكية
في مجال حماية مواقع الفخار القديمة، لا يمكن للمستثمر الأجنبي أن ينجح بمفرده. الشراكات الذكية مع الكيانات المحلية هي المفتاح. النوع الأول من الشراكة هو الشراكة مع الجمعيات الحرفية، وهي منظمات غير ربحية تضم الحرفيين المحليين. هذه الجمعيات لديها معرفة عميقة بالتقنيات القديمة وبالعلاقات مع السلطات المحلية. عندما يشارك المستثمر الأجنبي في تمويل أنشطة هذه الجمعيات، يحصل على ثقة الحرفيين ويفتح أمامه أبوابًا كثيرة.
النوع الثاني هو الشراكة مع الجامعات، خاصة الجامعات التي لديها كليات فنون جميلة أو أبحاث تراث ثقافي. هذه الشراكات توفر للمستثمر خبراء وباحثين يمكنهم تقديم استشارات دقيقة حول كيفية الحفاظ على التقنيات القديمة مع تطويرها. في عام 2021، ساعدت شركة جياشي مستثمرًا كويتيًا على توقيع اتفاقية شراكة مع جامعة جينغديتشن للفنون، والنتيجة كانت تطوير مجموعة جديدة من منتجات الخزف التي تجمع بين التقنيات القديمة والتصميم الحديث، وبيعت بأسعار عالية في أوروبا.
النوع الثالث هو الشراكة مع الحكومة المحلية، وهذه أهم شراكة على الإطلاق. الحكومة المحلية تتحكم في التراخيص والتصاريح والإعفاءات الضريبية. المستثمر الذي يبني علاقة جيدة مع الحكومة المحلية يحصل على تسهيلات لا يحصل عليها غيره. لكن هذه العلاقة يجب أن تكون شفافة وقانونية، لأن أي شبهة فساد ستدمر المشروع بالكامل. أتذكر أن أحد عملائي من لبنان حاول "تسريع" إجراءاته بدفع رشوة لموظف حكومي، وانتهى به الأمر بالترحيل من الصين ومنع من دخولها لمدة عشر سنوات. درس قاسٍ لكنه ضروري.
النوع الرابع والأكثر إبداعًا هو الشراكة مع الفنانين المعاصرين، حيث يقوم المستثمر بربط الحرفيين التقليديين بفنانين معاصرين مشهورين، لإنتاج أعمال فنية تجمع بين القديم والحديث. هذا النموذج يحقق عوائد عالية جدًا لأن الأعمال الفنية تباع بأسعار مرتفعة في المزادات العالمية. في تجربتي، هذا النموذج هو الأكثر ربحية على المدى القصير، لكنه يحتاج إلى شبكة علاقات قوية في عالم الفن، وهذا ما توفره شركة جياشي لعملائها من خلال شراكاتها مع غاليريهات ومزادات عالمية.
الآفاق المستقبلية
عندما أنظر إلى مستقبل مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع الفخار القديمة في الصين، أرى آفاقًا واعدة جدًا. الصين تدرك اليوم أن التراث الثقافي ليس عبئًا ماليًا بل أصلًا اقتصاديًا، والحكومة تشجع الاستثمار الأجنبي في هذا المجال من خلال حوافز ضريبية وتسهيلات إدارية. في الخطة الخمسية الرابعة عشرة (2021-2025)، خصصت الصين أكثر من 10 مليارات يوان لتطوير مشاريع التراث الثقافي، وهذا يعني فرصًا هائلة للمستثمرين الأجانب.
الاتجاه الأول الذي أراه هو الرقمنة والتكنولوجيا. المستثمرون الذين يستطيعون دمج التقنيات الرقمية مثل الواقع المعزز والواقع الافتراضي مع مواقع الفخار القديمة سيحققون نجاحًا كبيرًا. تخيل أن زائر الموقع يمكنه استخدام نظارة ذكية ليرى كيف كان الحرفيون القدامى يصنعون الفخار قبل 500 سنة. هذا النوع من التجارب يباع بأسعار عالية ويجذب سياحًا من جميع أنحاء العالم. بدأت شركتنا بالفعل في مساعدة مستثمرين عرب على استكشاف هذا المجال، والنتائج الأولية مبهرة.
الاتجاه الثاني هو الاستدامة البيئية. المستثمرون الذين يتبنون ممارسات صديقة للبيئة في مشاريع الفخار، مثل استخدام الطين المحلي والوقود الطبيعي وإعادة تدوير النفايات، سيحصلون على دعم كبير من الحكومة الصينية ومن المنظمات الدولية. هذا المجال لا يزال جديدًا نسبيًا، لكنه ينمو بسرعة. أتوقع أن يصبح معيارًا إلزاميًا خلال السنوات الخمس القادمة، لذا من يبدأ الآن سيكون له السبق.
الاتجاه الثالث هو الأسواق الدولية. الفخار الصيني القديم يحظى بشعبية كبيرة في العالم العربي وأوروبا وأمريكا. المستثمر الذي يستطيع بناء جسور بين الحرفيين الصينيين والأسواق الدولية سيحقق أرباحًا كبيرة. أنا شخصيًا أعمل حاليًا مع مجموعة من المستثمرين العرب لإنشاء منصة إلكترونية لبيع الفخار الصيني التقليدي في الشرق الأوسط، وأتوقع أن تحقق هذه المنصة مبيعات تصل إلى 50 مليون دولار في السنة الأولى. الفرص موجودة، لكنها تحتاج إلى رؤية استراتيجية وصبر طويل.
الخاتمة
في ختام هذا المقال، أود أن أؤكد مرة أخرى على الفكرة الأساسية التي بدأت بها: مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع تقنيات صناعة الفخار القديمة في الصين ليست مجرد استثمار مالي، بل هي شراكة حضارية بين الشرق والغرب، بين الماضي والحاضر. من خلال سبعة جوانب رئيسية تناولتها في هذا المقال - الأطر القانونية، النماذج الاستثمارية، التحديات الضريبية، الحفاظ على التقنية، دراسات الحالة، الشراكات الذكية، والآفاق المستقبلية - حاولت أن أقدم صورة شاملة وواقعية لهذا المجال المثير.
التوصيات التي أقدمها للمستثمر العربي هي: أولاً، ابدأ صغيرًا ولا تحاول السيطرة على كل شيء من اليوم الأول. ثانيًا، استثمر في بناء العلاقات مع الحرفيين المحليين والسلطات المحلية، فهذه العلاقات هي رأس مالك الحقيقي. ثالثًا، استعن بمحاسب قانوني صيني متخصص في الضرائب والتراث الثقافي، لأن الأخطاء الضريبية قد تدمر مشروعك مهما كان ناجحًا. رابعًا، فكر على المدى الطويل، فالمشاريع الثقافية تحتاج 3-5 سنوات لتصل إلى الربحية الكاملة، لكنها بعد ذلك تصبح أصولًا دائمة ومستقرة.
بالنسبة لشركة جياشي للضرائب والمحاسبة، نرى أن مستقبل مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع الفخار القديمة في الصين يحمل فرصًا استثنائية، خاصة مع توجه الصين نحو تعزيز الاقتصاد الثقافي كأحد محركات النمو الرئيسية. نحن نؤمن بأن المستثمر العربي، بما يحمله من تقدير عميق للتراث والثقافة، يمكن أن يكون شريكًا مثاليًا في هذا المجال. لهذا، نعمل في شركتنا على تطوير خدمات متخصصة تجمع بين الاستشارات الضريبية والقانونية والثقافية، لمساعدة المستثمرين العرب على الدخول إلى هذا السوق الواعد بأمان وفعالية. نرى أن السنوات العشر القادمة ستشهد تحولًا كبيرًا في نموذج الاستثمار الثقافي، حيث ستتحول مواقع الفخار القديمة من مجرد أماكن للزيارة إلى مراكز اقتصادية متكاملة تجمع بين الإنتاج والتدريب والسياحة والتجارة الإلكترونية. ومن يبدأ اليوم ببناء أساس قوي، سيكون في موقع الريادة غدًا. ندعو جميع المستثمرين العرب المهتمين بهذا المجال للتواصل معنا، لنكون شركاءكم في رحلة الحفاظ على التراث وبناء المستقبل.